ارشيف القدس العربي

أوباما.. رئيس من العالم الثالث؟

لعل المائة يوم الأولى التي قضاها الرئيس الأميركي باراك أوباما حاكما في البيت الأبيض كانت كافية ليفهم أصول لعبة الحكم الأميركية ويشرع في مراجعة وعوده الانتخابية والتزاماته التي كانت وراء التعاطف الغريب والواسع الذي حظي به في العالمين العربي والإسلامي. لست أدري لماذا صرت أتخيل وكأن أوباما قرر استنساخ تجربة عالم ثالثية لا ترى حرجا في التنصل من الالتزامات العلنية والحفاظ بدلا عن ذلك على الوضع القائم بإخراج رديء. قد يكون نموذج أوباما متشابها مع نماذج عديدة في عالمنا، لكن النموذج الجزائري قد يكون الأقرب.

رغم وصوله التراجيكوميدي إلى الحكم سنة 1999، كان كثير من الجزائريين يعتقدون أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة قادر على حل العقدة الجزائرية وعلى إعادة الأمور إلى نصابها فيما يتعلق بطقوس ممارسة الحكم وبث الطمأنينة في قلوب أبناء البلد الذين ذاقوا من ويلات الإهانة والظلم والقهر صنوفا وألواناً، ولعل أهم ما جعل الجزائريين يحلمون بمجيء الفرج على يد المهدي المنتظر كانت الوعود والوعيد والالتزامات التي كان بوتفليقة يطلقها يمينا وشمالا خلال أيام الحملة الانتخابية، تماما مثلما فعل أوباما. علق الجزائريون آمالا كبيرة على رئيسهم الجديد الذين وعدهم بإحلال السلم في ربوع البلد وبإخراج (سيف الحجاج) في وجه الذين يقفون ضد إرادة الشعب في عودة السلم والأمان إلى البلد ووعد بمحاربة الفساد وقطع دابر المفسدين وتوعد الرؤوس الكبيرة بقرب القطاف وقال للجزائريين إن الذين تحسبونهم أسودا يزأرون في وجوهكم ويطاردونكم في حياتكم ليسوا إلا قططا سمينة والتخلص منها لن يتعدى بضعة شهور. بوتفليقة وعد الجزائريين بإزالة الغبن عنهم وبوقف كل الإساءات الصادرة عن جهات في الحكم على مختلف المستويات والتي كانت سببا مباشرا وغير مباشر في الفوضى التي تسود البلد وفي جعل الجزائريين يكرهون بلدهم بامتياز ويساهمون في الإساءة إليه من حيث لا يدرون. بوتفليقة وعد بإصلاح نظام التعليم وأنشأ لذلك لجنة وطنية تبين في ما بعد أن أعضاءها ليسوا كلهم من أنصار الإصلاح الذي يريده الشعب، ووعد أيضا بإصلاح نظام القضاء وشكل لجنة من المختصين قال رئيسها بعد عدة سنوات إن ما اقترحته اللجنة لا يزال حبرا على الورق. بوتفليقة وعد والتزم أيضا بإصلاح هياكل الدولة وإقامة دولة تحكمها مؤسسات وأسس ثابتة وسليمة واستدعى لهذا الغرض قائمة طويلة عريضة من الخبراء ورجال الدولة وقدموا في الآجال المحددة تقريرا شاملا كاملا، فضّل الرئيس أن يحفظه في مكان آمن تماما كما فضل الإبقاء على نفس دواليب الحكم السائدة قبل مجيئه.

في غضون ذلك كان الرئيس من خلال تصريحات وإيحاءات متفرقة يحاول أن يفهم الشعب أن يده مربوطة إلى قيد ما وأنه يحاول فكها، وكان في مرة يطلب دعم الشعب ثم تأتي النتائج كما يريدها هو أو أكثر، لكن القيد لم ينكسر. ومن أشهر ما قاله في هذا الصدد هو أنه لا يريد أن يكون ثلاثة أرباع الرئيس، بل يريد أن يكون هو الحاكم المنفرد لا شريك له، فضلا عن التهديدات المتكررة التي كان يطلقها بين الحين والآخر بشأن عودته إلى بيته وترك البلد لحاله. لم يقل للشعب إن هذا الطرف أو هذه الجهة أو هذه المجموعة هي التي كانت تحول بينه وبين أن يكون رئيسا بأربعة أرباع، لكن العالم كان يفهم بالتقريب من المقصود.

كان وصول بوتفليقة إلى الحكم وحيدا بعد انسحاب جميع منافسيه في الانتخابات الأولى ذريعة للتقليل من أهمية فوزه وحصوله على سند شعبي، ففكر في تنظيم استفتاء شعبي من أجل الوئام المدني قيل إن الغرض منه هو مبايعته أو تجديد الثقة فيه وهو ما أكده في مناسبات لاحقة، فكان له ما أراد. لكن بدا ذلك غير كافٍ فانتظر انقضاء الفترة الأولى وترشح لفترة ثانية في ظروف متوترة وحصل على الأغبية التي كان يريدها أو أكثر، لكنها بدت أيضا نتيجة غير كافية لكسر القيد والبدء في تنفيذ وعوده والتزاماته، ثم رأى أن ينظم استفتاء آخر حول السلم والمصالحة فحصل على أغلبية مطلقة من أصوات الشعب لصالحه، لكن ذلك لم يمنعه من الاعتراف أن دعم الشعب لا يكفي لوحده وأن ميثاق السلم والمصالحة جاء منقوصا ومحتشما رضوخا لما أسماه (التوازنات الداخلية)، وجاءت انتخابات 9 أبريل الأخيرة وأطلق فيها ما شاء من الوعود، لكن الكذبة طالت والشعب أو كثير من فئاته رأت رأيا آخر، ومع ذلك حصل بوتفليقة على الأغلبية الساحقة التي  طالب بها ولا شيء يوحي أن ثمة أملا في أن ترى الوعود النور ذات يوم. واستمرت لعبة القط والفأر حتى فهم من لم يفهم من قبل أن اللعبة لم تكن جادة وأن القوم كانوا يتسلون بالشعب ويضحكون عليه.

فهم الناس أخيرا أن بوتفليقة جاء إلى الحكم ليكون رئيسا فقط ويسترجع ما كان يعتبره حقا ضاع منه بعد وفاة الرئيس هواري بومدين سنة 1978. ولأنه لم يناضل علنا وبالطرق السياسية المعروفة ليصبح رئيسا فإنه بقي أسير النظام الذي جاء به، وصار هو المدافع القوي عن لعبة التوازنات الداخلية وبات أحرص على الحفاظ على بقاء نظام الحكم الموجود منذ عقود أكثر من حرصه على تحقيق مطالب وطموحات شعبه في حياة كريمة وآمنة تقترب من حياة الشعوب في الدول المحترمة.

ولعل كل ما فهمه بوتفليقة وحكومته هو أن بعض السكنات ومناصب الشغل وقطعة طريق طويل معبد هي كل ما ينتظره الجزائريون، إضافة إلى بعض الصدقات المهينة من وزير العطايا والهدايا. فهذه كلها عطايا كانت موجودة في السابق وكانت ورقة تخرجها السلطة لمكافأة الطائعين وتأديب المارقين وتحولت بمرور السنين إلى نظام ارتشاء للشعب، حتى بات المواطن لا يحصل على سكن أو منصب عمل أو محل للتجارة أو على أنبوب غاز أو ماء يدخل بيته قبل أن يقف أمام كاميرا تلفزيون الحكومة ويطلق للسانه عنان الشكر والثناء وزغاريد الرضا لصاحب الفخامة. اختزلت حياة الجزائريين والجزائريات في سكن ومحل وقفة خضر وفواكه وعلاوة لشراء كراريس المدرسة، ونسي الناس أن الجزائر دولة وهبها الله قدرات بشرية ومادية وثروات تسمح لها بالارتقاء إلى صفوف أعلى من تلبية حاجات الناس اليومية والمعيشية الأساسية. الفساد وحالة اليأس يعمان البلد والوعود بمحاربة كل ذلك بقيت رجع صدى يتناهى إلى الآذان في كل مناسبة انتخابية.

هل صارت وعود أوباما شبيهة بوعود الرئيس الجزائري، وعودا رحّب بها العالم لكن تبين أنها صعبة التجسيد، وأن دخول الحمام ليس تماما كالخروج منه؟

وما يعني العالمين العربي والإسلامي أكثر هو ما التزم به أوباما بشأن إحداث قطيعة شاملة مع ممارسات عصابة بوش، خاصة ما تعلق منها بمسألة مكافحة الإرهاب وما رافق ذلك من مظالم ومآس. وحتى يقطع الطريق أمام الحالمين أن يوم محاسبة أزلام بوش وزبانيته على ما ارتكبوه من فظائع إنسانية تحت عنوان محاربة الإرهاب بات قريبا، فإن أوباما فضل التراجع عما هو أخف من ذلك وأهون. وكانت البداية بإعلان إدارته الاستمرار في معاملة المشتبه فيهم والمعتقلين بتهم الإرهاب وفق نظام قضائي خاص عوض إعادة ذلك إلى النظام القضائي الأميركي العادي مدنيا كان أم عسكريا. وبعد رفع الحظر عن نشر مذكرات التعذيب وبينما كان العالم ينتظر موعد نشر صور التعذيب الفظيعة التي كان يمارسها نظام بوش الابن ضد معتقلين أغلبهم من العرب والمسلمين، عاد أوباما ليأمر بإخفاء تلك الصور وربما حرقها مستقبلا بحجة أن ذلك سيؤذي أميركا ويشوّه سمعتها ويثير حقد المتطرفين عليها وقد ينعكس ذلك مباشرة على جنود أميركا في أفغانستان والعراق. لعل أوباما قد اكتفى بالهالة التي رافقته طيلة أيام حملته الانتخابية والإعجاب الذي ناله من كل أرجاء العالم خلال أيام حكمه المائة الأولى، وبعد ذلك تفطن إلى واقع جديد وإلى أن حكم أميركا ليس سهلا مثل الكلام والوعود. هل نشر صور التعذيب ستشوه صورة أميركا فعلا وتثير موجات العداء ضدها؟ أم أن مثل تلك الخطوة ستساعد على تنظيف صورة أميركا المشوهة أصلا؟ الصور لا علاقة لها بفترة حكم أوباما، فلماذا يصر على أن العالم سيحمِّله مسؤولية ذلك؟ اللهم إلا إذا كان ينوي هو الآخر الاستمرار في نفس تلك السياسة.

أحد السياسيين الجمهوريين حاول تفسير تراجع أوباما بالقول إن على الناس أن يفهموا أن الأمور تختلف كثيرا بين أوباما المرشح وأوباما الرئيس، فالمرشحان أوباما وماكين لم يكونا يحصلان خلال الحملة الانتخابية إلا على معلومات محدودة عن الأمن القومي، وهذا يجعل انتقاد قرارات بوش بالجملة أمرا سهلا. لكن أوباما الآن صار الحمل على كاهله، وليس الخبر كالعيان.

أحد المحللين قال إن أوباما ليس إلا شخصا براغماتياً، ولعله رأى أن تراجعه في بعض تلك المسائل كان ضروريا حتى يحصل على تأييد العسكر في مخططاته الخاصة في أفغانستان وباكستان، إضافة إلى أن شرارة محاسبة عصابة بوش قد تحرق أيضا شخصيات في المعسكر الديمقراطي كانوا على علم بما كان يجري من تجاوزات وسكتوا عنها في حينها، لذا فإن قلب الصفحة سيكون مفيدا للجميع. غير أن كثيرا من الأميركيين المعارضين لهذا الانقلاب في تصريحات أوباما فسروا ذلك بالقول إن الرئيس الأميركي يمارس السياسة مثله مثل غيره، في حين رأى آخرون أنه خضع لسيطرة اللوبي العسكري، بينما فضل البعض التسليم بأنه ليس إلا دمية في يد ما يعرف بحكومة الظل التي تعود لها الكلمة الأخيرة في قضايا الأمن القومي الحساسة. فهل بقي للعالم أن يدفن مشاعر الحماس تجاه الرئيس الشاب الواعد وينسى أن أميركا يمكن أن تتحول يوما إلى دولة عادية لا تمارس الاستكبار العالمي وتعترف بحق الجميع في عيش آمن مشترك بعيد عن الطغيان والتوتر؟


المقال نشر يوم: 27-05-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق