ارشيف القدس العربي

اقتراحان لأوباما.. فتح متحف غوانتانامو وغلق مدارس التعذيب

باشرت الإدارة الأميركية منذ أسابيع رحلة البحث عن دول تساعدها على تجسيد وعد الرئيس باراك أوباما بغلق معتقل غوانتانامو مع بدايات العام القادم. الأميركيون عندما ابتكروا فكرة غوانتانامو الشيطانية لم يستشيروا العالم أو على الأقل حلفاءهم الغربيين، ثم زادوا فجعلوا أصابعهم في آذانهم وأصرّوا واستكبروا عن كل نصيحة أو مطلب يتعلق بضرورة وضع حد لهذه الفضيحة الإنسانية التي توّجت الفضائح المترتبة عن غزو أفغانستان والعراق. ومع ذلك فلنسلم أن تلك كانت مشكلة بوش وتشيني والمحافظين الجدد وجمهورييهم، أما الآن ففي أميركا رئيس ديمقراطي يحاول جاهدا الإسراع بإزالة اللطخات السوداء التي مسخت وجه أكبر دولة في العالم.

يحاول أوباما وفريقه الحصول على موافقة كندا ودول الاتحاد الأوروبي لاستقبال 60 من نزلاء غوانتانامو الذين تقرر منذ مدة الإفراج عنهم، لكن لم يجدوا دولا تؤويهم لأنهم يرفضون العودة إلى بلدانهم الأصلية خوفا من أن يتعرضوا لعذاب أليم ينسيهم سنوات الجحيم في غوانتانامو. التقارير الواردة بشأن هؤلاء تذكر أن كل التحقيقات التي أجريت معهم أثبتت أنهم لم يفعلوا ما يتطلب اختطافهم إلى غوانتانامو وتعريضهم لكل أنواع الهوان والاغتصاب والمعاملات الوحشية لملائكة رحمة أميركا الرائدة في مجال احترام حقوق الإنسان. لكن رغم الإقرار أن اعتقال هؤلاء واختطافهم إلى غوانتانامو كان خطأ جسيما إلا أن سمعة بلدانهم في مجال احترام مواطنيها والتزامها بمواثيق حقوق الإنسان جعلتهم يفضلون زبانية بوش وتشيني على ظلم ذوي القربى. وللتذكير فقط نشير إلى أن الذين أثبتت التحقيقات أنهم لم يكونوا ينتمون لا من قريب ولا من بعيد إلى تنظيم القاعدة أو طالبان أفغانستان هم من العرب الذين وشى بهم بعض سكان أفغانستان وباكستان طمعا في الحصول على مكافآت مالية خصصتها لجنة حكماء إدارة بوش لكل من يصطاد واحدا من عصافير تنظيم القاعدة. وهناك أيضا مجموعة من 22 من قبائل الإيغور الصينيين الذين كانوا يعيشون في إحدى قرى أفغانستان هربا من بطش الحكومة الصينية بهم، وعندما بدأ قصف قوات التحالف تحت قيادة أميركا فر هؤلاء بحثا عن ملاذ آمن، وتروي بعض التقارير أن مجموعة من المسافرين العرب وعدتهم بإبلاغهم مأمناً في باكستان، لكنها سلمتهم إلى السلطات الباكستانية التي تخلصت منهم بسرعة ووجدوا أنفسهم ضمن ركاب واحدة من الرحلات الذاهبة إلى جحيم غوانتانامو.

وقد تبرعت أميركا مشكورة بإيواء عشرة من إخواننا الإيغور (لكنها لم تفعل بعد)، في حين استقبلت ألبانيا ستة من المجموعة منذ ثلاث سنوات. وحصل أوباما أيضا لحد الآن على موافقة عدة حكومات أوروبية لإيواء أبرياء غوانتانامو الذين يرفضون العودة إلى بلدانهم، لكن الأمر لم يُحسم بعد في كثير من هذه الدول على اعتبار بروز مجموعات وأحزاب تعارض استقبال أشخاص تورطت أميركا في اعتقالهم ظلما فضلا عن أنهم قد يشكلون خطرا محتملا على البلدان التي ستستقبلهم على اعتبار أنهم جاءوا من منطقة خطيرة وتحوم حولهم شبهة الإرهاب. والظاهر أن أوباما نفسه يلزمه جهد كبير لإسكات الحملات الرافضة لتوطين بعض هؤلاء في عدد من الولايات الأميركية، وهذا ما جعل المبادرة تتأرجح بين تردد أميركي في إعطاء إشارة الانطلاق وبين الترقب الأوروبي الذي يبقى ينتظر من أوباما أن يعلق الجرس.

لست مستشارا لأوباما، ولو كنت لأقنعته بحل أفضل لعقدة غوانتانامو، حل لا يحرج به شعبه والمناوئين لسياساته على الخصوص ولا يجبره على طأطأة رأسه أمام العالم وتعيين واحد من كبار الموظفين للتنقل بين دول الاتحاد الأوروبي متسولا ومستجديا مساهمة منهم لتنفيذ وعده بإغلاق معتقل بوش. أعتقد أن أفضل حل لهؤلاء المساكين هو أن يبقوا في غوانتانامو ويبقى غوانتانامو موطنهم الجديد ما داموا يخافون تعرضهم للتعذيب في الجزائر وتونس ومصر وليبيا والصين وأوزباكستان وأذربيجان. لن يبقوا معتقلين طبعا ولن يبقى المكان يسمى معتقلا، وأول عمل يبدأ به أوباما هو أن يأمر من تبقى من زبانية بوش هناك أن يخرجوا من غوانتانامو ويسلم كل المفاتيح لمن يتبقى من النزلاء ويخصص لهم منحة مالية ومساعدات لوجيستية لتحويل المعتقل إلى متحف يشرف عليه آخر النزلاء بمعرفتهم.

لا أعلم إن كان النزلاء هناك سيوافقون على هذا المقترح، لكنني متأكد أنه سيكون أفيد لهم من العودة إلى أوطانهم، كما يقولون، وأريح لهم من البقاء تحت رحمة بلدان أخرى والتحول مرة أخرى إلى قضية جدلية يعتاش منها السياسيون وأداة لتصفية حساباتهم. عليهم أن يتحملوا قليلا من العذاب النفسي قبل أن يصفى ذهنهم ويتأكدوا أن كابوس بوش وزبانيته قد زال نهائيا وأنهم فعلا أحرار في نفس المكان الذي سلبهم أعز ما يملكون. متحف غوانتانامو سيكون أشهَر وأكبر مزاراً من معتقلي أوشفيتز وداخاو النازيين في بولونيا وألمانيا ومن معتقل نظام الأبارتيد في روبن آيلاند حيث قضى نيلسون مانديلا 27 سنة معتقلا مع زملاء له بعضهم قضى نحبه هناك وبعضهم خرج قبله.

بعد أن تزول الألغام ويرحل الزبانية عن غوانتانامو ويتحول نزلاؤه من معتقلين إلى مستوطنين، ستشهد الجزيرة إقبالا منقطعا من كل العالم للوقوف على آثار واحدة من أكبر جرائم القرن الواحد والعشرين ضد الإنسانية وسماع شهادات حية عما كان يجري هناك من ألسنة من عايشوا المرحلة. غوانتانامو لو تحولت إلى متحف على الهواء ستتغير طبيعتها وستزدهر، وليس هناك أحق من النزلاء بالاستفادة من هذا التحول، فلولاهم لبقي جل العالم يجهل أن هناك خليجا يسمى غوانتانامو، رغم أن الأميركيين بدأوا استغلاله كقاعدة عسكرية منذ 1987. وقد لا يبقى المكان مزارا للسياح فقط، بل قد يفكر أصحابه الجدد في السماح لإقامة معهد أو جامعة لدراسة القانون، وقد تغري الفكرة منظمة الأمم المتحدة فتقرر تحويل مقر مفوضيتها لحقوق الإنسان من جنيف إلى هناك.

الإشكالية التي واجهها أوباما بقراره غلق غوانتانامو جعلت الأعين تتجه إلى بلدان مثل الجزائر وتونس وليبيا ومصر ودول غير عربية أخرى وأظهرها في مصاف الدول التي تمارس التعذيب في حق مواطنيها إلى حد يجعل المرء يختار جحيم غوانتانامو وما أدراكم ما غوانتانامو على البلد الذي ولد وتربى فيه. وقد دأبت كثير من الدول العربية المتهمة بانتهاك حقوق الإنسان وممارسة التعذيب بجميع أشكاله وألوانه على التصدي للتقارير التي تدينها والرد عليها باتهام منظمات وجمعيات حقوق الإنسان بالمبالغة والتحامل عليها. لكن ماذا الآن وقد جاءت الاتهامات من أبناء تلكم الأوطان وهم ليسوا طالبي لجوء في جنات أوروبا بل معتقلون في أفظع مكان تعذيب عرفه العالم الحديث؟

لكن هذا لا يمكن أن يبرئ أميركا ولا إدارة أوباما إن هي اكتفت فقط بوقف التعذيب في معتقلاتها وأغلقت سجونها السرية وتخلصت من عقدة غوانتانامو. ما بادر به أوباما في طريق التخلص من إرث بوش الثقيل والقبيح أمر جميل ولا يستحق أقل من الإشادة والتشجيع، غير أن الآلة التي تفرِّخ المعذبين وتبتكر أبشع ألوان وأنواع التعذيب البشري لا تزال في مأمن من انتقادات وقرارات أوباما. إنها آلة عمرها أكثر من 45 سنة وخريجوها من كثير من دول العالم المتخلف، اسمها وكالة الاستخبارات المركزية (وهي ليست وحدها بالطبع لكنها الأقوى). فمن مخابر السي آي اي تخرج الكثير من زبانية التعذيب في بلاد العرب والبلدان المتخلفة الأخرى، وتدريبهم كان ولا يزال تحت غطاء اتفاقيات أمنية خاصة بالتدريب، وضمن دورات التدريب التي تقام في أميركا وفي مراكز تلك الدول. دورات عن تقنيات وطرق التعذيب التي تؤذي ولا تقتل، والمدربون، كما تشير التقارير، لا يتوّرعون عن حضور جلسات التعذيب وتوفير الأدوات الضرورية للدروس التطبيقية.

قد يكون التلاميذ بعد سنوات طويلة من الخبرة تحولوا إلى أساتذة في فنون التعذيب، وهذا ما قد يُفهم من ظاهرة بقايا نزلاء غوانتانامو، لكن من الضروري أن يتقدم أوباما خطوة أخرى في تبييض وجهه ووجه أميركا فيعلن عن غلق مدارس التعذيب في وجه متدربي العالم الثالث ويسمح بعد ذلك بالكشف عن أرشيف هذه المنظومة وقوائم روادها وخريجيها. هل يفعلها أوباما؟


المقال نشر يوم: 06-05-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق