ارشيف القدس العربي

الجزائر ودّعت نحس الأزمة المالية العالمية.. في شهرين!

العالم يرزح تحت وطأة الأزمة المالية الكونية والدول الكبرى عاكفة منذ شهور على البحث عن أفضل السبل لتجاوز هذه الكارثة في أقرب الأوقات، البحث لا يزال جار في أميركا، التي لا يتوقع رئيسها الجديد أن تعود الأمور إلى نصابها قبل انقضاء فترته الأولى على الأقل، وفي أوروبا وآسيا، لكن لا أحد انتبه إلى أن هناك دولة حققت المعجزة وتمكنت من القضاء على الأزمة ومخلفاتها في شهرين فقط. سأكشف لكم أن هذه الدولة هي الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، لكن لا تسألوني كيف سبقت كل العالم في حل المشكلة وفي ظرف قياسي.

المسؤولون الجزائريون بدءا من رئيس الوزراء ثم وزير المالية والقائمة طويلة كلهم أكدوا منذ بدايات الأزمة المالية العالمية أن الجزائر غير معنية وأنها واقفة شامخة على قدميها، ولم تدم التصريحات الاستعلائية طويلا ليحل محلها كلام من قبيل أن الجزائر مثلها مثل باقي دول العالم الأخرى لكن الحكومة يقظة وتبذل كل جهدها للتخفيف من الضربة، ثم خرج فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة شخصيا ليؤكد للجزائريين الذين لم يصدقوا وللعالم أجمع أن الجزائر مصابة بالحمى العالمية وبشرهم بمستقبل داكن. كان ذلك يوم 28 ديسمبر الفائت عندما ذهب لزيارة ولاية غرداية الجنوبية ويواسي أهلها إثر السيول الطوفانية التي جرفت ديارهم وأموالهم. وقف فخامة الرئيس أمام أعيان المنطقة المنكوبة ليقول لهم إنه جاءهم ليقول لهم كلاما معسولا عن تضحيات ووطنية وانضباط أهالي المنطقة، ثم حذرهم من أن يطمعوا في شيء آخر غير الكلام لأن البلد لم تعد قادرة على إخراج مزيد من الأموال للمنكوبين. كلام عظيم قاله صاحب الفخامة لأهل غرداية المنكوبين، أنقل هنا كل ما جاء فيه لضرورة التوثيق ولمن يريد أن يتابع مسار قيادة البلد الحكيمة التي أفلحت في شهرين في مسح الأزمة ومخلفاتها، في انتظار أن يزور الرئيس تلك المنطقة مرة أخرى ليضيف إلى الكلام المعسول ما يستحقه هؤلاء الجزائريون من حر مال دولتهم. قال فخامته قبل شهرين: (حان الوقت أن يشمّر كل جزائري عن ساعديه.. وإذا أردتم بناء هذه البلاد لا بد أن نعتبر أن القضية ليست قضية رئيس أو قضية حكومة، بل هي قضية شعب بأكمله، نساء ورجالا، شبابا وكهولا.. الحمد لله الذي أعطاكم صبرا من صبر أيوب، فكنتم ملتزمين وكنتم منضبطين وسهّلتم كثيرا أعمال الحكومة والمؤسسات سواء كانت عسكرية أو مدنية. شكرا جزيلا على ذلك من صميم الفؤاد).

(لا بد أن أصارحكم أننا أمام أزمة دولية. مررنا على سنوات سمان وقد تشير إلينا سنوات عجاف، لا على الجزائر فحسب لكن على العالم كله، فمن طبيعة الحال إذا كنا كرماء أو باليد السخية نتقدم في السنوات السمان، فلا بد أن نكون أصحاب حيطة في السنوات العجاف. التمستُ بعض الطلبات من الممثلين والمنتخبين، أقول لو كان عندي مليم فائضا لأعطيته لسكان غرداية.. وأنا على يقين أن سكان غرداية لن يقبلوا ولو مليما إذا ما كان فائضا على الجزائر كلها. ولكن هناك طلبات معنوية تزينهم وتزينني، على سبيل المثال رأيتهم يترجّون مني أن أسمي الجامعة جامعة الشيخ اطفيش، فأنا أفتخر به. الجامعة من اليوم تسمى جامعة الشيخ اطفيش. أما قضية الفلوس فعلينا أن نصبر إلى حين عودة السنوات السمان. وإذا رجعت السنوات السمان بإذن الله ستكونون أول المستفيدين). صفق الأعيان طويلا لفخامته وودعوه مشددين عليه أن يستمر في الحكم لفترة ثالثة لأن الجزائر في حاجة ماسة إليه.

بعد شهرين بالتمام والكمال، أي يوم 28 فبراير المنقضي وقف فخامة الرئيس بوتفليقة أمام جمع مختار من المزارعين الجزائريين يلقي عليهم (خطاب زرع الأمل والقرارات الحاسمة) كما أسماه منظمو المهرجان، وهناك أعلن فخامته عن قراره الحاسم المتعلق بمسح جميع ديون الفلاحين، آمرا البنوك من مكانه ذلك (أن تتوقف كلية من اليوم عن أي مسعى من أجل استعادة ديونها لدى الفلاحين ولدى مربي الماشية). وقد برر الرئيس قراره هذا بأنه يهدف إلى (تشجيع عالم الفلاحة على بذل المجهود المكثف المأمول منه لتحديث النشاط وزيادة منتوجاته على اختلافها). وقبل ذلك بأربعة أيام كان فخامته قد أعلن في تجمع شعبي آخر أمام العمال أنه قرر أيضا أن يقرر لاحقا زيادة عامة في الأجور، وفي نفس الشهر وفي خطاب آخر بمناسبة إعلان قراره الاستمرار في الحكم لفترة ثالثة بعد تزكيته في الانتخابات الرئاسية التعددية والديمقراطية المقررة يوم 9 أبريل، أنه خصص برنامجا تنمويا طموحا للسنوات الخمس المقبلة وقد رصد له غلافا ماليا ضخما.

ماذا تغير في الجزائر حتى تحولت بقدرة قادر من دولة تستقبلها سنوات عجاف إلى بلد واعد ومزدهر يملك من المال ما يسمح له بتوزيعه هنا وهناك (والخير للقدام)، لأن فخامته نفسه دعا الله في خطاب زرع الأمل أن يلهمه لما هو أفضل؟ التفسير العاقل والمنطقي يقول إن الذي تغير هو أن البلد وجد حلا للأزمة المالية وتخطاها وفاض المال ولم تعد الخزينة العمومية ولا بنوك أميركا وسويسرا قادرة على استيعابها، فصار القائد الملهم يوزع المال يمينا وشمالا، وعلى كل من لم تصله بركات المال الفائض أن ينتظر دوره، فلا زال بيننا وبين التاسع أبريل شهر وبضعة أيام وبرنامج فخامته معبأ بالزيارات الميدانية والمهرجانات الخطابية. المتفائلون يتوقعون خيرا كثيرا من فخامته، خاصة بعد أن هتف في تجمع مدينة بسكرة أمام المزارعين (يحيا مسح الديون!). الصناعيون وأرباب العمل لا زالوا من سنين طامعين في قرار بمسح ديونهم وإعلان إعفاء جبائي شامل عنهم، والفرصة الآن مواتية بعد أن أبعد سحر الانتخابات الرئاسية عن البلد شبح الأزمة المالية والسنوات العجاف. هناك أيضا آلاف الجزائريين الذين يرزحون تحت وطأة القروض المصرفية التي فُتحت عليهم من السماء، قروض خاصة بتأثيث بيوتهم وشراء سيارات، لكنهم اكتشفوا بعد أن راحت السكرة أنهم تورطوا في أمور كبيرة عليهم وكثير منهم صاروا مهددين بملاحقات قضائية وبالسجن، وعليهم الآن أن يرفعوا أبصارهم إلى السماء منتظرين قرارا من فخامته يفرج عنهم ضائقتهم. التجار أيضا في حاجة إلى مكنسة تمسح عنهم لوحة الضرائب، وقد كان هذا مطلب تجار غرداية الذين أتت السيول والفتن على كل ما يملكون، لكن فخامته لم يستجب لهم على أمل أن يوفي بوعده الذي قطعه أمام الأعيان عندما أكد أن أهل غرداية سيكونون أول المستفيدين. ولعل بركات الحملة الانتخابية ستطال أيضا المساجين فيأمر فخامته بإطلاق سراحهم جميعا، والطلبة أيضا فيعلن مثلا أنه قرر هذه السنة أن يحصل تلاميذ السنة النهائة ثانوي جميعا على شهادة البكالوريا دون امتحان.

أعتقد أن المطالب يجب أن تتوقف هنا، أي في حدود توزيع الأموال على الذين يحتاجون وعلى كثير من الذين لا يحتاجون. هناك أيضا مطالب أخرى من شؤون أخرى لكني أحذر أصحابها من رفعها لأن عين فخامته لا ترى أبعد من مسح بعض الديون والوعد بزيادة الرواتب. هناك جزائريون يطلبون مثلا أن تُرفع القيود عن الإعلام ويُفتح المجال لإطلاق قنوات تلفزيونية وإذاعات خاصة، وهناك أيضا جزائريون يريدون إنشاء أحزاب سياسية مستقلة عن السلطة ودوامتها، وهناك جزائريون يريدون أن يتعلموا اصطياد السمك بدل الحصول عليه دون مقابل ليقطع عليهم حسب مزاج الحاكم، وهناك جزائريون مشتاقون إلى الحصول على فرص عمل وتفعيل شهاداتهم الجامعية في خدمة بلدهم، وهناك جزائريون يحلمون أن يروا أنفسهم متساوين مع جزائريين آخرين في كثير من فرص الحياة، وهناك أيضا جزائريون يريدون تأسيس نقابات وتنظيمات مهنية مستقلة عن النقابة الحكومية، وهناك أيضا جزائريون يريدون أن يعيشوا مصالحة وطنية حقيقية بدل مصالحة القطرة قطرة التي لا تفيد أحدا غير المتحكمين في خيوطها، وهناك جزائريون متشوقون لحضور انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة وحرة، انتخابات لا تكون نتائجها معروفة سلفا، انتخابات تفرز أناسا اختارهم الشعب بنفسه بدل أن يختارهم النظام للشعب. هناك جزائريون كثيرون يريدون أشياء كثيرة، لكن ما يريده الحاكم شيء وما يريده الشعب شيء آخر، والعزاء أن حكام بلداننا يقولون لنا إنهم يعرفون هم وحدهم ما يليق بالشعب وما لا يليق به. يليق بنا أن نعيش في كل موسم انتخابي على أفراح مسح الديون وزيادات الأجور ولا يليق بنا أن نحلم أو نطمع في حياة سياسية واجتماعية كريمة وفي أن يحكمنا أناس نختارهم نحن بحرّ إرادتنا عوض أن يختاروا هم أنفسهم حكاما علينا وينظمون لذلك انتخابات شكلية.

بلدنا ليست ككل البلدان، وهذا ليس كلامي أنا، بل خرج من فم صاحب الفخامة الحكيم في خطاب زرع الأمل، عندما انتهى من إعلان قرار مسح ديون الفلاحين والموّالين وعندما توقفت الهتافات والتصفيقات، رفع رأسه وتساءل (هذه الدولة الجزائرية ما عرفناها لا اشتراكية ولا رأسمالية)، لا تستغرب فخامتك، فأنت تعرف والجزائريون يعرفون أن الجزائر ليست لا اشتراكية ولا رأسمالية ونظامها لا يشبه أي نظام يستحق أن يطلق عليه اسم دولة، الجزائريون لم تتشابه عليهم الأنظمة كما تشابه البقر على بني إسرائيل، بل كل ما في الأمر هو أن الجزائر كُتب عليها أن يحكمها أناس متشابهون!


المقال نشر يوم 06-03-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق