ارشيف القدس العربي

الدبلوماسية الجزائرية في.. “عالم اليوم”

كنت أستعد لتوجيه نداء إلى من يهمه الأمر لعله يجد لنا أثرا لفخامة رئيس الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية (هذه هي التسمية الرسمية) في غمرة الفوضى والغليان اللذين يرافقان العدوان الهمجي الإسرائيلي على غزة. الدنيا مقلوبة رأسا على عقب والعالم هائج مائج بسبب الجريمة الكبرى في غزة وفخامة الرئيس نسي منسي. كل القادة العرب، بمن فيهم قائد الانقلاب الموريتاني المنبوذ، تكلموا. منهم من أدان وندد وتجاوز حتى حدود اللياقة التي يفرضها مقام الزعماء العرب، ومنهم من شجب وتأسف وكثيرون منهم أعربوا عن (أملهم) أن يتوقف العدوان على أهل غزة. بل حتى قليلو الأدب منهم ظهرت صورهم بالمناسبة في التلفزيونات، صحيح أنهم كانوا خارج الإطار بسبب انشغالهم بشتم وانتقاد بعضهم البعض، إلا أنهم ظهروا كلهم، إلا واحداً، وكان من الممكن أن يكون أول زعيم عربي يقف منددا بما يجري من عدوان على غزة لأن أول يوم للحرب على القطاع تزامن مع خروجه في جولة ميدانية داخل بلده (أي لا خوف عليه من أي تهديد أو حرج خارجي)، إلا أنه اختار بدلا عن ذلك أن يكمل جولته بصورة عادية ويقف أمام أعيان البلدة المنكوبة يستمع إلى تملقهم وتوسلهم له بأن يقبل الترشح لفترة ثالثة لأن الجزائر لا تزال في أمسّ الحاجة إليه. ولأن خطب الكبار (في السن) مهما كانت لا تكفي ولا تفي بالغرض، فقد استزاد فخامة الرئيس من أشعار اللاهثين بيتا فوقف أمام مجموعة من الأولاد والبنات الأبرياء يستمع إليهم وهم يغنون له وينشدون كلاما أشك كثيرا أنهم يفهمون معناه، إلا أنهم يعرفون أنه موجه إلى السيد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة وأنه كلام معسول يبعث ارتياحا وبهجة على المخاطب به الذي أثنى على نفسه هو أيضا بتصفيقة ختم بها أناشيد التزلف في وقت كانت فيه الطائرات الإسرائيلية تعزف أنشودة العدوان هناك.

عاد فخامته من رحلة الجنوب إلى العاصمة وانتظرنا أن يقول شيئا، وهو المعروف بكثرة كلامه، أو أن يتدخل على الأقل من ينوب عنه ليلقي رسالة باسمه كما عوّدنا على ذلك، انتظرنا وانتظرنا وتشوقنا لرؤية طلعة فخامته على التلفزيون وهو يتكلم عن المناسبة التي أحزنت الأمة، لكن الانتظار طال وطال الغياب. والحق أن مبعث القلق لم يكن فقط من أجل غزة والهمجية الضاربة فيها، بل لأن الجزائريين لم يتعودوا افتقاد رئيسهم ولو يوما واحدا في نشرات أخبار تلفزيونهم الواحد والوحيد. مضى يوم، ثم يومان، فثلاثة وأسبوع ثم أسبوعان ونحن ندخل الأسبوع الثالث وصورة فخامته غائبة، والجزائريون بين قلِق ومنزعج من هذا الصمت المريب. أما أنا فقد زال قلقي يوم السبت الماضي وتنفست الصعداء لأنني وجدت تفسيرا لتبخر القائد الزعيم. ولمن لا يزال على غيظه أطلب منه قبل أن يواصل القراءة ويعرف السبب أن يقف تحية لخادم الأمة وحامل همها الفاضل أحمد أويحيى، وهو رئيس الحكومة الذي تحول قبل شهرين إلى وزير أول.

كانت المناسبة لقاء لأحزاب التحالف الرئاسي، ومن حسن الصدف أن التلفزيون الرسمي كان حاضرا ساعتها لينقل إلينا كلمات الوزير الأول التي حلت لغز الاختفاء المحير لفخامته عن أحداث غزة. وكان أويحيى يتحدث عن الموقف الجزائري وأنقل إلى القارئ الكريم أهم جملتين أعتقد أنهما كانتا مفتاح حل الصمت الجزائري الرسمي الرهيب عما يجري. قال الوزير الأول يا سادة يا كرام إن التضامن الجزائري لم يتوقف منذ أن أصدر فخامة رئيس الجمهورية أمره بإقامة جسر جوي للمساعدات الإنسانية بين الجزائر والعريش ثم أضاف (لو كانت الظروف ملائمة لكانت المساعدات الجزائرية تأتي (يقصد تذهب) ساعة بعد ساعة، لكن عالم اليوم هو عالم اليوم). ثم أضاف في الجملة التالية أن (الجزائر قبلت بانعقاد القمة العربية ومستعدة في أي لحظة أن تعقد هذه القمة وأن تكون طرفا فيها.. والجزائر في استعداد مسبقاً أن تشارك في أي قرار عربي يُتخذ.. لكن عالم اليوم كذلك هو بأحواله وحقائقه). احفظوا أو انتبهوا لكلام تكرر في الجملتين وسأعود إليه بعد أن أكمل نقل بعض الكلام الرسمي أو شبه الرسمي الذي يؤكد لنا أن فخامة رئيسنا كان حاضرا ومتابعا لما يجري أولا بأول لكن…!

التلفزيون نقل إلينا أيضا تصريحا، في لقاء تضامني في الجزائر وأمام جزائريين، لوزير الخارجية الجزائري مراد مدلسي قال فيه (إن السيد رئيس الجمهورية الذي يتابع الأوضاع ساعة بساعة على جميع المستويات أعطانا تعليمات واضحة بخصوص هذا الموضوع)، وأرجو أن يكون هذا الكلام مطابقا لما قاله باللغة الفرنسية وترجمه التلفزيون.

وكأن كلام اثنين لا يكفي فجاء ثالثهما عبد العزيز بلخادم الممثل الشخصي لفخامة الرئيس والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني الموجود في الحكم، فقال مخاطبا الجزائريين (افخروا ببلدكم، لأن الجزائر كما عهدتموها دائما وفية لعهد الشهداء، وفية لما قطعته على نفسها في رسالة أول نوفمبر، وفية لكل دم سقط منذ مقاومة الأمير عبد القادر إلى ثورة التحرير، هي إلى جانب فلسطين إلى أن تتحرر فلسطين والنصر آت قريباً..).

والآن وبعد أن سمع أو قرأ الجزائريون هذا الكلام لم يبق لهم أي مبرر يجعلهم يستحون من رئيسهم أو من دولتهم أو يجعلهم يشكّون لحظة أن قيادتهم خذلتهم أو اختارت معسكر الخيانة على مخيم التضامن ونصرة فلسطين، وعلى الجميع أن يستمر في حفظ الجملة المحببة إليهم والمنسوبة إلى رئيسهم الراحل هواري بومدين (نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة).

نعم أيها الجزائريون، رئيسكم لم يقل كلمة واحدة عن كل ما يجري ولم يخرج لا في خطاب ولا في رسالة ولا في جولة إلى بلد عربي أو أجنبي للتشاور ولم يستقبل رئيسا أو قائدا واحدا، بل حتى وفد علماء المسلمين الذي طاف بأهم عواصم العالم العربي غاب عنه أن الجزائر يحكمها رجال يقولون إنها دولة عربية عظيمة وذات تأثير ونفوذ قوي فحذفها من قائمة اهتمامه. الجزائر التي كان أبو عمار ينزل في مطارها في كل عام مرة أو مرتين، ومنها أعلنت فلسطين دولة قائمة، ورئيس الجزائر الحالي هو الذي يفتخر في كل مناسبة أنه كان أول من أدخل ممثلا عن فلسطين إلى مقر الأمم المتحدة وأعطاه الكلمة ليخطب في الجمعية العامة السنوية. كان ذلك في السبعينات وبوتفليقة كان وقتها وزيرا للخارجية.

ولكن ما دام الأمر هكذا، الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة، وفخامة الرئيس يتابع الأوضاع في غزة ساعة بساعة وعلى رأس كل ساعة وما دام أصدر تعليماته حول هذا الموضوع وأمر بإقامة جسر جوي للمساعدات الإنسانية، فلماذا إذن فضل الصمت والاختفاء عن رادارات الشاشة الصغيرة؟ جوابكم أيها الجزائريون وأيها الحياري من كل البشر عند أويحيى. (عالم اليوم هو عالم اليوم، وعالم اليوم هو كذلك بأحواله وحقائقه)، ورحم الله امرؤا عرف قدر نفسه! عالم اليوم هو عالم اليوم، وأحوال تلك الأعوام ليست كهذه. عالم اليوم فيه نعاج وأسود، عالم تستأسد فيه النعاج على الحملان لكنها لا تنسى أبدا أنها نعاج عندما ترى أسودا أو تسمع زئيرها ولو كانت أسودا من كرتون. حقائق عالم اليوم تقتضي أن تنقطع النعاج عن الغثاء ولا تكترث إذا هوجم القطيع، لأن أي حركة منها ستعرضها لغضب الأسود أو الذئاب أو ربما القطط السمان، وبعد أن تتوقف الغارة على الحظيرة يجوز لكل نعجة أن تخرج عن صمتها وتواصل استئسادها على قطيعها. هذه هي أحوال عالم اليوم كما نبهنا إليها معالي الوزير الأول. ولا تعتقدوا أن قادتنا يخضعون لتعاليم عالم اليوم خوفا على حياتهم أو على مناصبهم، حاشا! بل إنهم يفعلون ذلك حفاظا على شعوبهم وحرصا على وحدة الأمة وسلامتها، وقد تعلم الجزائريون أبا عن جد حكمتين لعلهما معلقتان فوق رأس كل مسؤول (اللي خاف سلم) و(اخطي راسي واضرب).

وحكاية عالم اليوم هذه أعادتني إلى كلمة أو حكاية أخرى نطق بها قبل سنوات صاحب الفخامة بمناسبة صدور ميثاق السلم والمصالحة الوطنية. وقتها كثر الكلام عن تقاعس الرئيس في المضي قدما على درب المصالحة الوطنية التي اختارها شعارا لحملتيه الانتخابيتين واختاره من اختاره من الشعب على هذا الأساس. لم يكن قانون المصالحة في مستوى آمال وطموحات الشعب، وعندما لاحظ فخامته أن الشعب أو جزءا منه لم يكن راضيا على الخطوة المتواضعة والمحسوبة من أجل إنهاء أزمة عصفت بالجزائر لحوالي عقدين من الزمن ولا تزال رياحها تهب عليها، عندها وقف فخامة الرئيس مخاطبا شعبه بأن ما فعله كان أقصى ما يمكنه فعله، وبرر ذلك بأن التوازنات الداخلية لا تسمح بأكثر من ذلك. فمهما قال عن نفسه إنه رئيس انتخبه الشعب وإنه لا يخشى أحدا إلا الله وإنه نذر نفسه وقدم عمره قربانا من أجل الجزائر وشعبها وإنه يتصرف ويتحكم في دواليب الحكم بأرباعها الأربعة، إلا أن لعبة التوازنات اقتضت منه أن يعادل أغلبية الشعب بأقلية لها وزنها، فكان عليه أن يكون عادلا ويضع طرفا في كفة والطرف الآخر في الكفة الأخرى ويحرص على أن يتأرجح بينهما في توازن كما يفعلون في السيرك، ومهما حاول البعض أن يغضب فإنه لن يعرف أكثر مما يعرفه العارفون الذين يدركون تماما أن قوانين الفيزياء في عالم اليوم تقول إن الأقلية تكون في أحيان كثيرة أشد وطأة من الأكثرية بل وتغلبها أيضا، ولتحمدوا الله على أن جاءكم من يعادل كفتكم ويدخل بكم في لعبة التوازنات ومنها إلى حقائق عالم اليوم، ويا ويحنا من عالم الغد.


المقال نشر يوم 14-01-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق