ارشيف القدس العربي

العرب وسلاح النفط.. الغالب والمغلوب!

عادت إلى واجهة الأحداث تداعيات الأزمة الدبلوماسية بين ليبيا وسويسرا بعد أن أصرت سلطات برن ومقاطعة جنيف على رفض تقديم اعتذار رسمي لما تسبب فيه القضاء السويسري من إهانة لنجل الزعيم القذافي عندما أمر بحبسه على ذمة التحقيق إثر شكوى من خادم وخادمة عربيين من سوء معاملتهما من طرف حنبعل وزوجته. احتجاز الزوجين لم يدم طويلا، إلا أنه كان كافيا لإثارة حنق آل القذافي ومن ورائهم الآلة الجماهيرية التي طالبت منذ بداية الأزمة قبل ثلاثة أشهر بتأديب السويسريين. فكان التهديد بوقف إمدادات النفط الليبي لسويسرا وتقليص الرحلات الجوية بين البلدين بشكل محسوس ومسارعة السلطات الليبية إلى اعتقال مواطنين سويسريين بحجة وجودهما بصورة غير شرعية على تراب الجماهيرية ثم منعهما من السفر إلى حين وأيضا التهديد بسحب مليارات الدولارات من الودائع الليبية في البنوك السويسرية الآمنة.

رئيس الكنفدرالية السويسرية حاول، قبل أيام، التخفيف من حدة التهديدات الليبية وقال إن وقف الإمداد من النفط الجماهيري لن يكون له تأثير يذكر على الاقتصاد السويسري، ولم نعرف رأيه في سحب المليارات السبعة. في نفس الوقت حاول السفير السويسري في طرابلس نفي ما نقلته وكالة الأنباء الجماهيرية الرسمية عن مسؤول في الخارجية الليبية وأكد السفير أنه تلقى من نفس الوزارة ما يفيد أن ليبيا لا تنوي قطع نفطها عن المستهلكين السويسريين ولا سحب ودائعها من البنوك الآمنة. وأعرب عن أمله في أن تعرف المفاوضات الجارية بين الطرفين نهاية سعيدة قريبا.

الرأي العام في سويسرا كان منقسما بين مؤيد لتقديم اعتذار على “المعاملة السيئة لحنبعل القذافي” خوفا من تعكير جو بلدهم الآمن وبين من استنكر “المساومات” الليبية ومحاولات الضغط على القضاء السويسري المستقل وكأن الأمر يتعلق ببلد من العالم الثالث يميزه التحكم الآلي في ضمائر وقرارات القضاة، وقد ذهب بعض هؤلاء إلى حد الإعلان والدعوة إلى مقاطعة شركة توزيع الوقود الليبية في سويسرا كرد فعل على الهزة التي أحدثها الليبيون على الشارع السويسري. ومع كل ذلك فقد فضلت السلطات السويسرية الإبقاء على شعرة معاوية مرخية وقبلت التفاوض من أجل الخروج بأقل قدر من الخسائر، بل ذهبت حسب بعض التقارير إلى حد طلب وساطة الأمين العام للجامعة العربية.

هل تعني كل هذه الحكاية أن النفط العربي وعائداته يمكن أن يشكلا سلاحا فعالا لتركيع الغربيين وكسر شوكة جبروتهم وكبريائهم؟ وهل يملك العرب فعلا ورقة ضغط يمكن أن تهدد مصالح الغرب الإستراتيجية واستقرار مجتمعاته؟ والأهم من ذلك هل يمكن للعرب أن يستعملوا سلاحهم الرادع هذا ويُروا للغرب أنهم قادرون أيضا على تنفيذ تهديداتهم؟ الكثير من أبناء الشعوب العربية يحلمون بيوم يشاهدون فيه حكامهم يتخذون قرارا موحدا قادرا على هز أركان عرش الغرب وعلى إعادة الهيبة والوقار إلى شعوبهم. عاش العالم حدثا حقيقيا يشبه هذا الحلم سنة 1973، في حين أن احتمال تكرره يبدو مستحيلاً، اللهم إلا إذا جن جنون الغرب يوما وقرر تمريغ أنوف الحكام العرب وذويهم بقرارات تشبه قرار قاضي محكمة جنيف ضد حنبعل القذافي أو مسعى مدعي المحكمة الجنائية الدولية الأرجنتيني لويس مورينو أوكامبو ضد الرئيس السوداني الفريق عمر البشير، ذلك أن إهانة شعوب أو فئات عربية بعينها لم تكن يوما دافعا لأي حاكم لاتخاذ قرار في مستوى القرارات أو التهديدات الجماهيرية الأخيرة. سجون الغرب مليئة بالمواطنين العرب وسجلاتهم حافلة بانتهاكات حقوق الآلاف من البسطاء ولا أصبع يتحرك بالتهديد أو الوعيد.

الحلم بهذا القرار العربي المنشود ليس في الحقيقة حكرا على طائفة كبيرة من الشعوب العربية، بل هو أيضا حلم جزء من نخبة المجتمعات الغربية. ليس حبا في العرب وقضاياهم أو حقوقهم المهضومة، ولا حتى نكاية في حكومات الغرب الظالمة. فهذه النخب سئمت من رؤية حكوماتها راضخة للعرب ومتعلقة بنفطهم حد الإدمان، وهي لا تزال تنادي دون ملل بضرورة وضع حد لهذه التبعية للنفط العربي الذي لا يزيد الحكام العرب ثراء فحسب، بل يدفعهم أيضا إلى الابتعاد خطوات عن نهج الحرية والديمقراطية في حق بلدانهم وشعوبهم. لذلك فإن هؤلاء الغربيين بعد أن يئسوا، أو كادوا، من استفاقة أنظمتهم من حالة التخدير التي أوقعهم فيها إدمانهم للنفط العربي، فإنهم يأملون أن يهبّ الحكام العرب يوما لتحقيق حلمهم بقطع حبل التموين عنهم، لا ليموتوا، بل ليتحركوا بوتيرة أسرع على طريق البحث عن بدائل للطاقة تجعلهم يستغنون عن النفط العربي أو على الأقل يتخلصون من حالة الإدمان المحيطة بهم.

إنجاز عظيم للغرب لو يتحقق يوماً. فهل سيعود بالنفع أيضا على العرب؟ النفط العربي إذا بقي في الآبار لن يتحول إلى رزم دولارات ولا إلى طاقة بديلة ولا إلى مصانع سيارات وأسلحة وطائرات ولا حتى إلى سنابل قمح وخضار وفواكه. لاحظوا أن الإدمان الغربي إذا انقطع بعث في جسد المدمن حياة جديدة وهواء أنقى، فكيف الحال بأمة العرب إذا قطعوا إدمانهم بالدولارات وأساطيل الطائرات والسيارات الفارهة وحتى الأقل رفاها وبالحواسيب وشبكات الاتصالات بمختلف أنواعها وبالحسناوات أيضاً؟ أفحياة الجاهلية تبغون؟

لا تخافوا ولا تحزنوا لأن الخير لن ينقطع عنكم وهذا الحلم أو الكابوس لن يرى النور يوما، ولتمت نخب الغرب بغيظها وهي ترى مجتمعاتها وحكامها في غيبوبة لا ترى فيها بديلا عن النفط العربي والدولارات العربية.

فماذا إذن عن “الهوشة” الليبية السويسرية؟ هل وجدت سلطات الجماهيرية أفواها تفرغ فيها النفط المخصص لسويسرا وخزائن أكثر أمنا وأخرس من خزائن البنوك السويسرية؟ أغلب الظن أنها لم تجد شيئا من هذا، بل لعلها لم تكلف نفسها أصلا عناء البحث، لأنها حريصة منذ البداية على أن لا تتعدى القضية حدود المعقول والممكن، فهي تعلم أن السويسريين أناس عقلاء ومسالمون وهم فقط يحتاجون إلى شد أذنهم لكي يحسنوا التصرف مع حنبعل وحرمه، أو بالأحرى مع الدبلوماسيين الليبيين كما شددت على ذلك مصادر الخارجية الجماهيرية.

نوبل للسلام لم تبتسم للجزائر.. فإلى فرصة أخرى!

أبدت اللجنة التنسيقية الدولية لترشيح بوتفليقة لنوبل للسلام 2008 أسفا شديدا على تخصيص جائزة السلام لهذا العام لشخصية واحدة عكس ما جرى العمل به في الأعوام السابقة، حيث كانت تقتسم بين عدد من الشخصيات. وهذا القرار فوّت مرة أخرى فرصة فوز فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بالجائزة اعترافا بجهوده في إحلال السلام في الجزائر وفي العالم. ولم يكتف مسؤول في اللجنة المذكورة بانتقاد لجنة الجائزة العالمية، بل اتهم، في تصريحات صحفية الدبلوماسية والإعلام في الجزائر بالتقاعس في دعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لنيل جائزة نوبل لهذا العام، وقال: “إننا بكل أسف نسجل فشل الدبلوماسية الجزائرية ومحيط الرئيس بوتفليقة من شخصيات وأحزاب وهيئات في تلميع صورة الرئيس ومشروع الرئيس السلمي التسامحي، والإعلام الحكومي والخاص في تقصيره في استغلال إنجازات الرئيس في تلميع صورة الجزائر”.

إنجازات فخامة الرئيس عظيمة ولا ينكرها إلا جاحد، والآن وقد عرفنا سبب تجاهل لجنة نوبل لكل هذا، فلا يبقى لنا إلا أن ندعو من الآن وزارة الاتصال الجزائرية إلى تأسيس قناة تلفزيونية تكون موجهة خصيصا إلى أعضاء لجنة نوبل للسلام. القناة تكون حكومية طبعا، لأن معالي وزير الاتصال جدد قبل أيام فقط التأكيد على أن الظروف الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية للبلد لا تسمح الآن بالترخيص لتلفزيونات خاصة، ورجاء لا تفهموا من كلام الوزير أن الظروف التي أشار إليها سيئة، بل السلم منتشر والديمقراطية على أشدها والبطالة منعدمة ووجوه الجزائريين مستنيرة وقصص الشباب الهارب على قوارب الموت والمنتحرين باتت في خبر كان في زمن العزة والكرامة، لذلك فإن الحكومة لا تريد من الخواص أن يؤسسوا تلفزيوناتهم الخاصة ثم لا يجدون ما يقولون فيها غير الكلام المعسول الذي هو من اختصاص التلفزيون الحكومي المتعدد الأوجه.

لا أدري هل أقول لفخامته ما كان يقال للتلميذ إذا أخفق في الامتحان، عليه العمل أكثر! لعل الجائزة المليونية ستكون العام القادم من نصيبه، أم أقول له إن أعضاء لجنة الجائزة الدولية صاروا يميلون إلى تتويج الرؤساء والمسؤولين بعد أن يغادروا مناصبهم، وإذا كنت تريد جائزة العام القادم فعلا فلماذا لا تتنازل عن العهدة الثالثة والتعديل الدستوري وتعود إلى بيتك حتى يكون شرط التقاعد متوفرا فيك؟

سؤال أخير لمسؤول اللجنة التنسيقية الدولية لترشيح بوتفليقة لنوبل للسلام 2008 الذي تساءل عن سر عدم تقسيم الجائزة الدولية لهذا العام على أكثر من شخصية مثلما كان الحال في السنوات السابقة. لو قررت اللجنة منح الجائزة لفخامة الرئيس بوتفليقة، من سيتقاسمها معه، حسين آيت أحمد أم عباسي مدني وعلي بن حاج أم مدني مزراق وحسان حطاب؟ أنا شخصيا ضد فكرة التقاسم.


المقال نشر يوم 14-10-2008

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق