ارشيف القدس العربي

الفرنكفونية.. شر لا بد منه!

الجزائر عضو رسمي في منظمة الدول الفرنكوفونية.. ليس بعد، ولكن هل هذا ممكن؟ في الحقيقة لا أحد يستطيع حسم هذا الموضوع الآن ولا حتى التكهن بنتيجة أي استفتاء يطرح على الشعب الجزائري حول هذه النقطة. بين الجزائر والفرنكوفونية حكاية “غرام” طويلة، فهذا البلد الذي تعرض للاستعمار الفرنسي طيلة قرن ونيف لم يستقر بعد على رأي، هل يتخذ الفرنسية عدوا أبديا بحكم ما تعرض له خلال الحقبة الاستعمارية أم يمحو كل ما علق بذاكرته من تلك الحقبة العصيبة ويصفح صفحا جميلا؟ الجزائر لم تختر لا هذا الحل ولا ذاك، فهي مع فرنسا كنار الشتاء، لا تستطيع أن تبتعد عنها مخافة الموت من شدة البرد ولا هي قادرة على الالتصاق بها حتى لا تحترق. طيلة سنوات الاستقلال حرصت الجزائر على أن تبقي بينها وبين مستعمرها خيط توازن رفيع.

هذه السياسة لم تكن موجهة فقط لفرنسا ولم تعتمد على اعتبارات سياسية محسوبة من قبل السلطة في الجزائر، بل هي أيضا تعبير عن نوع من التخبط وعدم الثقة في رد فعل الشارع إزاء أية سياسة “متطرفة”. الجزائريون أو كثير منهم لا يخفون نفورهم (حتى لا نقول كرههم) لفرنسا، لكن في نفس الوقت نلاحظ أطول الطوابير البشرية مصطفة أمام القنصليات الفرنسية وأكبر جالية جزائرية في المهجر موجودة في فرنسا. علاقة غامضة وغريبة لم يجد لها الدارسون أي تفسير علمي ومنطقي. وليس الشعب وحده الذي وقع في شراك هذه العلاقة غير الطبيعية، فالحكومات المتعاقبة حريصة كل الحرص على أن تبقى فرنسا البلد المستعمر الذي لا يمكن إقامة علاقات سوية ومنتظمة معه، لكنها أيضا تظل البلد الأول والأهم في التعاملات الاقتصادية والتبادلات التجارية، ورغم كل المحاولات بقيت فرنسا أول مصدر للسلع إلى الجزائر وأول مستورد لما يمكن استيراده من الجزائر.

العلاقات السياسية بين البلدين لم تكن دائما سمنا على عسل، لكن كل الأزمات والهزات التي طبعت مسار هذه العلاقات لم تنته إلى قطيعة وجفاء، وكأن الطرفين متفقان على أن مثل هذه النهاية لا يمكن تصوّرها حتى في الأحلام أو بالأحرى في الكوابيس. فهناك أولا المصالح الاقتصادية العميقة بين البلدين وهناك أيضا العلاقات المتشابكة بين الضفتين على المستويين الاجتماعي والثقافي. في فرنسا يشكل الجزائريون أو الفرنسيون ذوو الأصول الجزائرية أكبر نسبة بعد الفرنسيين الأصليين، والجزائر لا تزال تعتبر أول بلد (غير فرنكوفوني) ناطق بالفرنسية في العالم.

وأمام كل هذه المعطيات، لماذا ظلت الجزائر دوما ترفض أن تكون عضوا فاعلا كامل الحقوق في منظمة الدول الفرنكوفونية؟ ولا بأس من التذكير هنا أن أول مرة شاركت فيها الجزائر رسميا في قمة الدول الفرنكوفونية كانت قبل ست سنوات في بيروت. وقد كان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة صاحب هذا القرار، رغم أنه حاول ستر هذه “الخطيئة” بالتركيز على أن البلد الذي احتضن قمة 2002 كان بلدا عربيا (لبنان) وأنه تلقى من أخيه وصديقه الرئيس إميل لحود دعوة رسمية وليس من شيم الأشقاء ولا من خصال العرب رفض دعوة كهذه. كان بوتفليقة معروفا أو يحلو له أن يوصف بلقب “كاسر الطابوهات”، وقد فعلها ولم يهتز البلد ولم يكن ليهتز. ثم أعاد الكرّة سنة 2006 في قمة واغادوغو (عاصمة بوركينافاسو) ولم يكن وقتها محتاجا إلى غطاء عربي يرفعه أمام الرأي العام الجزائري، وها هو يعود من مشاركته الثالثة في القمة الثانية عشرة للدول الفرنكوفونية في كيبك الكندية وكأن شيئا لم يحدث.

لو سُئل الجزائريون عن رأيهم في مثل هذه المشاركات لكان هناك رافضون كثيرون. لكن لماذا خلت المنابر السياسية والإعلامية من إشارات التنديد والاستنكار أو حتى الاستياء؟ هذا هو سر “الغرام” الجزائري مع فرنسا والفرنسيين! وما دام الأمر مقبولا لدى عموم الرأي العام الجزائري، فلماذا لا تستجيب الجزائر لطلبات البلدان الفرنكوفونية وتقرر الانضمام رسميا إلى هذه المنظمة الإقليمية؟ هذا هو أيضا سر السياسة التي ينتهجها الرئيس بوتفليقة ولا يستحيي من التلميح إليها. إنه في كل الأحوال يشارك في هذه القمم ويلقي خطابا مثله مثل باقي رؤساء الدول الأعضاء، ويظهر في الصورة العائلية للفرنكوفونية العالمية إلى جانب جميع قادة الوفود. يفعل كل هذا ويضمن بقاء الرأي العام المناهض للثقافة والمد الفرنكوفوني في الجزائر هادئا ووديعا. خاصة أن بعض الرموز المحسوبة على هذا التيار أمثال رئيس الحكومة السابق عبد العزيز بلخادم تتولى مهمة التنويم بالتأكيد على أن الجزائر لم تفعل أكثر من تلبية دعوة من أخ أو صديق وهي تشارك كضيف شرف وتفعل ذلك لتستغل هذا المنبر وتُسمع صوتها للعالم. ولعلنا سنسمع يوما من يقول إن العداء التاريخي مع فرنسا الاستعمارية ليس مبررا لإبعاد الجزائر عن حظيرة ثقافة ليست في نهاية المطاف حكرا على هذا البلد وحده بل هناك دول عديدة تنتمي إلى هذا المجال ولا عداوة بينها وبين الجزائر.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن صمت “أعداء الفرنكوفونية” ليس فقط لأن الرئيس بوتفليقة اختار مبررا قابلا للتصديق كما سبق، بل لأن أغلب الذين يمكنهم أن يكثروا اللغط حول هذه القضية هم من المنتسبين إلى ما يعرف في الجزائر باسم “الأسرة الثورية”، وهي عائلة سياسية تضم جمعيات المجاهدين (قدامى المحاربين) وأبناء الشهداء وأبناء المجاهدين، إضافة إلى ما يعرف بالأحزاب السياسية الوطنية، وهؤلاء كلهم مفروض عليهم، بحكم شروط الولاء الموقعة في عقود تمويلهم وخدمة مصالحهم الشخصية، التزام الصمت وعدم التحرك إلا بعد إيعاز من قائد الأوركسترا. لو شارك رجل مثل الزعيم التاريخي وأحد قادة حرب التحرير الجزائرية حسين آيت أحمد في مؤتمر شبيه بمؤتمر الفرنكوفونية لتصايح القوم واتهموه بخيانة وطنه وبيع ذمته لأعداء الأمة والوطن، لكن عندما يقرر رئيس الدولة فعل شيء من ذلك فإنهم سيطأطئون رؤوسهم ويقولون إنه رمز للمجاهدين الأقحاح.

الأسرة الثورية وكل الذين يدورون في فلكهم لا يخفون عداءهم لفرنسا ومن ورائها للغة الفرنسية، وهم لا يتوقفون عن كيل الاتهامات لهؤلاء وهؤلاء (من الذين لا يرضى عنهم قائد الأوركسترا طبعا) بالخيانة والعمالة والانضواء تحت لواء “حزب فرنسا”، وهي تهم جاهزة لا يسلم منها أحد ولو كان أسبقهم إلى خيمة الوطنية. لكن غرابة الأقدار تشاء أن يتحول هؤلاء “الثوريون” عميا وصما وبكما وهم يرون اللغة الفرنسية تتقدم كل عام شبرا أو باعا فوق أرضهم على حساب لغة البلد الرسمية. وتجدهم يطربون عندما يسمعون رئيسهم، حامي الدستور ورمز سيادة البلد، يخاطب الجزائريين في الجزائر باللغة الفرنسية ويتحدث مع رؤساء دول ووفود من روسيا أو الصين أو اليابان أو الدول الأنجلوساكسونية الأخرى باللغة الفرنسية.

كنت يوما في منزل رئيس حكومة سابق وصادف أن كلمه أحد أصدقائه وهو وزير سابق أيضا. كان الحديث يدور بينهما عن السياسة والرئيس بوتفليقة. ولما أقفل السماعة، قال لي، إنه يحاول أن يقنعني أن بوتفليقة هو رجل المرحلة وهو الأفضل من بين الآخرين، ولما سألته عن السبب رد قائلا، إنه يتكلم الفرنسية في المحافل الرسمية وليس متعصبا للغة العربية. الوزير كان وقتها يعيش في بلد أوروبي فرنكوفوني، وكان كل همه أن يبقى استعمال الفرنسية ساريا على المستوى الرسمي. ولعل هذه هي نفس الحجة التي جعلت واحدا من أعتى المحسوبين على المعارضة يرتمي في أحضان السلطة في عهد بوتفليقة، وأعني هنا أحد قادة التيار القبائلي ورئيس التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية الدكتور سعيد سعدي الذي انتهى به الأمر مشاركا بوزيرين من حزبه في حكومة بوتفليقة قبل أن تحل القطيعة بينهما، ولكن بعد ماذا؟!

اللغة الفرنسية هي اللغة السائدة في الإدارات الجزائرية والدوائر الرسمية، والمتشبعون بها لا يزالون هم أصحاب الحظوة في مناصب المسؤولية في الإدارات والمؤسسات الاقتصادية، ولكن عندما فتحت بعض المدارس الخاصة أبوابها للتدريس باللغة الفرنسية رفضت حكومة بوتفليقة السماح لها بالاستمرار على ذلك المنهج، وخيرت بين الالتزام بالمنهج الحكومي المرتكز على اللغة العربية أو الغلق. هل هو الحرص على قيم ومبادئ الوطن وهويته؟ أم هو قرار شعبوي لتنويم جماعة “الأسرة الثورية” و”الوطنيين”؟ أم لعل الأمر يتعلق بقرار غير معلن يقضي بأن يبقى أبناء الطبقات الشعبية بعيدين عن مصادر القرار بإبعادهم عن واحدة من أهم الوسائل الموصلة إلى دوائر الحكم وهي اللغة الفرنسية؟ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون في صميم التناقض الغريب الذي يراد للجزائر أن تبقى تتخبط فيه منذ استقلالها، قبل 46 سنة، إلى اليوم؟!


المقال نشر يوم 21-10-2008

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق