ارشيف القدس العربي

المغرب العربي.. لتوحيد المنطقة أم للتناحر؟

أي مستقبل لاتحاد المغرب العربي؟ لا أدري إن كان السؤال يحتاج أصلا أن يُطرَح، لكن وزيرا (مغاربيا) تطوّع للإجابة عنه، وكان الجواب أشد غموضاً من السؤال. ذلك أن ما يُعرف باسم اتحاد المغرب العربي ظل منذ إنشائه مثل طفل لقيط يرفض أبواه الاعتراف بشرعيته وتحمل مسؤوليتهما في تربيته ويرفضان أيضا التخلي عنه نهائيا وتركه يتلاشى في الطبيعة. الطفل صار الآن مراهقا ولم يفرح برؤية (آبائه) مجتمعين من أجله إلا خلال سنوات عمره الخمس الأولى، هذا إن كان يذكر من ذلك شيئا، أما ما يعقله بعد ذلك فهو خلافات مستمرة ومشاحنات كانت نتيجتها طلاق عرفي بائن ينتظر فقط أن يسجَّل في سجلات الحالة المدنية.

آخر تصريح رسمي حول هذا الولد المنبوذ جاء الأسبوع الماضي على لسان الوزير الجزائري المنتدب للشؤون المغاربية والإفريقية عبد القادر مساهل، قال فيه إن (بناء الصرح المغاربي لم يعرف تقدما كبيرا وإنه لا يمكن تصور اتحاد المغرب العربي خارج بعض الاعتبارات السياسية المتعلقة بتسوية نزاع الصحراء الغربية)، مضيفا أن (العائق الثاني الذي يعرقل بناء الصرح المغاربي هو أن كل بلد من بلدان المنطقة رسم سياساته الاقتصادية لوحده). وهذا معناه أن الاتحاد فشل في تحقيق وحدة أو حتى تعاون سياسي، تماما مثلما أخفق في الجانب الاقتصادي.

قادة دول اتحاد المغرب العربي لم يلتقوا في إطار هيكلهم منذ سنوات عديدة وليس في نيتهم أن يلتقوا يوما، لكن لا أحد منهم يتطوّع لنعي هذا الهيكل الخالي من أي روح. في كل عام تقتطع كل دولة ميزانية لإطالة عمر الهيكل، فقط حتى لا يتهم أحد بمحاولة اغتيال حلم تنام عليه شعوب المنطقة منذ سنين. نعم هم أيضا يسمونه حلما وقالوا يوما إن الحلم صار حقيقة، لكن الشعوب لا تزال نائمة ولا ندري إن كان الحلم (أو الكابوس) لا يزال يراودها أم لا. وليت إحدى الفضائيات تتطوع يوما لإجراء تحقيق وسط الشباب (المغاربي) وتسألهم إن كانوا يعرفون شيئا عن اتحاد المغرب العربي وعن آخر قمة مغاربية وعن آخر أمين عام للاتحاد وعن مقر الاتحاد وعن مجلس الشورى المغاربي. طبعا كل هذه الهياكل والأسماء متوفرة وتجدد دوريا لكن عندما تسأل عن إنجازاتها يأتيك جواب يشبه جواب الوزير مساهل. ثم ليتنا نعرف إن كان هناك من أبناء (الشعب المغاربي) من يؤمن بوجود مثل هذا الاتحاد ومن يرى أن بإمكان هذا الاتحاد أن يقدم شيئا للمنطقة ولصالح شعوبها.

ولعلنا سنظلم دولا مثل تونس أو موريتانيا أو حتى ليبيا عندما نقول إنها مسؤولة عن هذا الموت الإكلينيكي الذي أصاب اتحاد المغرب العربي، ذلك أن المتسبب الرئيسي في اغتيال الحلم هما الجزائر والمغرب. طبعا كل طرف يحمّل الآخر المسؤولية والسلاح المستعمل في طعن الهيكل هو البوليساريو أو بالأحرى الصحراء الغربية. الجزائريون مصرون على أن يرهنوا مستقبل اتحاد المغرب العربي باستقلال الصحراء الغربية والمغاربة لا يريدون أن يتجاوزوا عقدة هذه الصحراء من أجل دفع مسار الاتحاد المغاربي قُدما. ولا أدري لماذا لم يجرب أحد البلدين الانسحاب رسميا من الاتحاد المغاربي لعل الأمور تتحرك، وللمغرب تجربة في هذا المجال عندما قرر الانسحاب طواعية من الاتحاد الإفريقي بسبب قبول عضوية الصحراء المغربية فيه.

شيء مؤسف أن نرى أناسا محسوبين على الطبقة المثقفة في هذا البلد أو ذاك يتصارعون ويتسابون ويقدمون ذلك قربانا لحكام بلدهم وتزلفا من أجل الحصول على منصب هنا أو هناك أو عن كلمة شكر من هذا المسؤول أو ذاك. أناس لم يعد لهم همّ إلا تبادل الشتائم والاتهامات الفارغة وأغلبهم يحرص قبل أن يتدخل أو يكتب مقاله على الحصول على تعليمات من ساستهم. وبدل أن يكون المثقف ورقة ضغط على السياسي يدفعه أو يوجهه لما ينفع شعبه صار وقودا لإشعال نار الفتنة وتأجيجها حتى تبقى الشعوب دائما معزولة ويتحقق للسياسيين العمل وفق ما يخططون له، وهدفهم بطبيعة الحال ليس لا حب أوطانهم ولا شعوبهم بقدر ما هو حرصهم على تحقيق مصالحهم، وأول مصلحة لهم هي البقاء في الحكم والكل يعلم كم هي ورقة (العدو الخارجي) مفيدة لتوجيه الأنظار وإغراق الشعوب في المسائل الهامشية.

لا أحد يمكن أن يفرض قيام اتحاد بين دول أو شعوب، لكن من غير المعقول أيضا أن نحاول نفخ الروح في جسد ميت في محاولة لتضليل الشعوب وإيهامها بأهمية شيء غير موجود أصلا. لذا أعتقد أن من حقنا المطالبة بإعلان وفاة الاتحاد المغاربي وحل كل هياكله الإدارية والتوقف عن تنويم الآخرين بشيء لا وجود له. هناك الجامعة العربية يلتقي فيها المغاربيون وهناك المولود الجديد الاتحاد من أجل المتوسط وهناك الأمم المتحدة وهناك الدول القوية التي تفرض علينا أن نلتقي متى تشاء ونتعاون في المجالات التي تريدها هي وعلى رأسها التعاون الأمني ومكافحة الإرهاب. فلماذا إذن نصرّ على الحفاظ بيننا على جسد ميت لا نعترف به أصلا، بل نخرجه فقط لتبادل الشتائم والاتهامات؟

صار الحديث عن اتحاد المغرب العربي مناسبة لتأجيج الخلافات بين بلدان الاتحاد. أما تعزيز التعاون وتوطيد أواصر الأخوة بين أبناء المنطقة الواحدة فقد بات كلاما فارغا. ولمن يريد أن يتسلى قليلا يمكنه أن يزور الموقع الرسمي لاتحاد المغربي العربي على شبكة الإنترنت، وسيقف بنفسه على مستوى العمل الجاد الذي يقوم به هذا الهيكل وأجهزته. ومن ذلك تصريح للأمين العام للاتحاد الحبيب بن يحيى يشدد فيه على نجاعة العمل المغاربي المشترك، وفيه يرى أن (التركيز على العمل المغاربي المشترك والنهوض بالمصالح المشتركة، يعد طريقا صحيحا يوصلنا إلى تنفيذ باقي المبادئ المسطرة للاتحاد، وعلى رأسها تطبيق الإرادة السياسية لقادة دول المنطقة). هل اقتنعتم بهذا الكلام؟ وفي نفس التصريح يعرب سعادة الأمين العام (عن أسفه للمستوى الضعيف الذي تسجله التجارة البينية المغاربية، على الرغم من ارتفاعها من نسبة 3.36 في المائة إلى 6 في المائة، معربا عن أمله في أن تحقق مستقبلا مستويات أحسن بكثير من خلال تفعيل أنشطة المؤسسات الاقتصادية المغاربية. هذا الكلام طبعا من حوالي 10 أشهر، وعلينا أن ننتظر تصريحا مماثلا بعد 10 أشهر أخرى حتى نطمئن إلى أن الاتحاد المغاربي قائم وأمينه العام لا يزال هو الحبيب بن يحيى.

ومن أنشطة الاتحاد المغاربي الحديثة التي نتابعها في الموقع (فعاليات المؤتمر المغاربي الرابع لنقل الدم ومشتقاته)، ولمن فاتته متابعة هذا الخبر الهام في الفضائيات ووسائل الإعلام المغاربية يمكنه أن يعلم أن المؤتمر انعقد في شهر يوليو الماضي في طرابلس، وكان تحت شعار (معاً من أجل دم آمن). وقد تضمنت فعاليات المؤتمر محاضرات تناولت (أهمية مركزية خدمات مصارف الدم، واختيار المتبرعين بمصارف الدم، والعدوى البكتيرية وسلامة نقل الدم، وتقنيات التحري عن سلامة الدم، وخبرة دول الاتحاد المغاربي في مجال خدمات نقل الدم، ألقاها أساتذة متخصصون في أمراض الدم في هذه البلدان). ومن أراد التعرف على أنشطة الاتحاد الأخرى سيجد أخبارا عديدة عن استقبالات وسفريات سعادة الأمين العام بين سنتي 2006 و2007، والظاهر أن سنة 2008 هي سنة إجازة طويلة للإخوان في الاتحاد.

العاهل المغربي الملك محمد السادس اتهم الجزائر، في آخر خطاب له، بالعمل على بلقنة منطقة المغربي العربي، ورد الجزائريون بأن هذا كلام غير صحيح، ثم انتفض (المثقفون) من هنا لتأكيد اتهامات جلالة الملك ومن هناك لتأييد رد الوزير مع تطعيم الردود والمقالات بتوابل تزيدها نكهة وتشجع السادة المسؤولين على اختراع تصريحات أخرى تجعل هذا الاتحاد مصطبة يعتليها كل من يريد رمي أخيه بكل أنواع القذائف.


المقال نشر يوم 16-12-2008

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق