ارشيف القدس العربي

الناسخ والمنسوخ في إدارة الخلافات والمصالحات العربية!

مصطلح سياسي جديد اخترعه العرب مع مطلع العام الجديد ويتوقع أن يتحول إلى علم قائم بذاته ويدرج ضمن مقررات ومناهج كليات علوم السياسة والإدارة في العالم العربي ابتداء من الموسم الجامعي المقبل، ذلكم هو علم إدارة الخلافات العربية العربية. كل الزعماء العرب وقعوا على وثيقة تلزمهم بتطبيق هذا المنهج العلمي الجديد في خلافاتهم الثنائية والمعسكراتية أو الفسطاطية كما يسميها البعض.

حكماء العرب انتهوا إلى أن الخلافات القائمة بينهم صارت أشبه بالمرض الذي لا يرجى منه شفاء، فقرروا أن يتحولوا إلى درجة متقدمة من الوعي السياسي العقلاني والمنطقي، فكان الاتفاق على إدارة الخلاف بدل إزالته. ولا أحد يعلم لحد الآن كيف سيدار الخلاف ومن الذي سيمسك الدفة لممارسة عملية الإدارة، هل ستكون لكل طرف مختلف مع الآخر دفة يدير بها الخلاف مع الطرف الآخر أم ستكون هناك معايير محددة للمرشح لمسك الدفة كأن يتم اختيار الأكبر سنا أم الأقدم في المنصب مثلا أم ستكون قيادة الخلافات بالتناوب أم بالقرعة؟ ربما هذه التساؤلات سابقة لأوانها، بينما المهم الآن هو معرفة الكيفية التي ستدار بها هذه الخلافات العربية العربية وآليات العمل بها وأيضا الغاية منها.

لكن قبل هذا وذاك، لا بد من إجراء عملية مسح شاملة للخلافات العربية الثنائية والفسطاطية ومن ثم تنطلق عملية إدارة الخلاف لتكون النتائج مضمونة. وهنا لا بد أن أعتذر من القارئ الكريم إذا تبين له أن التساؤلات صارت كثيرة ومتلاحقة، فعلم إدارة الخلافات العربية حديث الولادة وحكامنا الموقرون فضلوا احتكار تفاصيل مبادرتهم الجديدة لأنفسهم، وهم محقون في ذلك، لأن الخلافات القائمة تعنيهم وحدهم ولا علاقة للشعوب بها. فهم الذين أثاروا هذه الخلافات بينهم وهم الذين قرروا أن يبقوها قائمة وأن يعكفوا مستقبلا على إدارتها أو تدويرها بدل إزالتها وإزالة أسبابها.

التساؤل التالي هو ما هو السقف الذي حدده زعماؤنا في إدارة الخلافات بينهم، وما هي النتائج المرجوة من عملية الإدارة أو التدوير؟ والتساؤل الذي يليه هو كيف يتوصل الطرف العربي مع أخيه الطرف العربي الآخر إلى أن هذا الأمر أو ذاك يدرج في خانة الخلافات القابلة للإدارة وأن هذا الأمر أو ذلك لا يرقى إلى مستوى الخلاف أو أنه يتعدى الخلاف إلى نزاع أو صراع؟

لنأخذ مثالين عن خلافين عربيين ونحاول معرفة كيف يمكن إدارتهما وفق الاختراع العربي الجديد. مصر غاضبة من دول عربية أخرى بسبب ما تراه تدخلا لهذه الدول في منطقة النفوذ المصرية بشأن القضية الفلسطينية، وقد علت موجة الغضب المصري منذ فوز حركة حماس في الانتخابات البرلمانية بالأغلبية قبل ثلاث سنوات. الرئيس مبارك ورجاله يريدون أن يبقى الخلاف الفلسطيني الفلسطيني والنزاع الفلسطيني الإسرائيلي من اختصاصهم هم وحدهم. مصر ترى فلسطين عمقا إستراتيجيا لها وأمنها القومي مرتبط بمدى قدرتها على إحكام قبضتها على الشأن الفلسطيني في كل أبعاده، وهي تريد أن تحل الصراع الداخلي الفلسطيني بطريقتها الخاصة وبكيفية لا تغضب بها إسرائيل ومن يدعمها من إدارة أميركية ورباعية ومجتمع دولي. وإذا حاول أي طرف عربي آخر التدخل لنصرة الطرف الفلسطيني المستضعف أو على الأقل التنبيه إلى أن هناك جهة فلسطينية فاعلة في المجتمع الفلسطيني، المجتمع الدولي متكالب عليها، زمجرت القاهرة وأخرجت مخالبها كما تفعل القطة عندما يقترب غريب من صغارها. حتى الشعب الفلسطيني صار، وفق هذه النظرة (الأمنية الإستراتيجية)، ممنوعا من التعبير عن موقفه أو فرض رؤيته لحل قضيته. هناك الشقيقة الكبرى وهي التي تتكفل وحدها بتقديم الحل جاهزا ولا بد على الفلسطينيين أن يقبلوا به كما هو، والويل لهم إذا حاولوا رفض ذلك أو حاولوا دفع الضغوط عنهم بالاستنجاد بأشقاء آخرين يقدرون على ترجيح الكفة أو على الأقل تحريك القدم الجاثمة على صدورهم. والآن وبعد الاتفاق على التحول إلى تقنية إدارة الخلاف العربية الجديدة، كيف ستُحل هذه الإشكالية؟ هل إدارة الخلاف هنا تعني ترك مصر تستفرد بالشأن الفلسطيني داخله وخارجه دون حساب ولا تنبيه، أم أنها ستتفق مع من ينازعها الملف عربيا على تقاسم المهام فتتكفل مصر مثلا بملف حكومة الوحدة الوطنية وسوريا بملف الجندي الإسرائيلي شاليط ودولة عربية أخرى بملف إعادة إعمار غزة ودولة رابعة بملف الفصائل وهكذا؟ أم أن إدارة الخلاف تعني أن تحافظ مصر على نفوذها الكامل في الشأن الفلسطيني على أن يُسمح لسوريا بإعادة إحكام قبضتها على لبنان؟ أم لعل إدارة الخلاف تعني أن تبقى فلسطين شأنا مصريا خالصا على أن يتولى العرب الآخرون فتح خزائنهم للمساهمة في حل القضية وفق ما تقرره القاهرة وحدها؟ وما دامت مصر حريصة على احتكار القضية الفلسطينية لوحدها، فلماذا ترفض أن تلحق قطاع غزة بها مباشرة كما يقترحه الكثيرون؟ لأن هذا الحل هو الوحيد الذي يبرر غضبها وتكشيرها إزاء محاولات التدخل العربية الأخرى في شأن غزة، ولأن ذلك سيجعل هذه المحاولات فعلا تدخلا في شؤون مصر الداخلية. وقبل ذلك لماذا لم تظهر تلك التكشيرة المصرية عندما انتقلت إدارة الخلاف الفلسطيني الفلسطيني إلى خارج القاهرة وشرم الشيخ وعاد متوجا باتفاق اسمه اتفاق مكة؟

المثال الثاني عن الخلافات العربية العربية هو الخلاف الجزائري المغربي، وهو خلاف يتعلق ظاهرا بقضية الصحراء الغربية، ولعل مواطني البلدين سيكونون في غاية السعادة إذا علموا كيف سيكون مصير هذا العداء في ضوء تقنية إدارة الخلاف العربية المبتكرة. هل ستتولى الجزائر مثلا تمويل وتدريب الجيش الصحراوي ويتكفل المغرب بعملية تنمية الإقليم؟ ثم ما هي الغاية من إدارة مثل هذا الخلاف، هل سينتهي بها الأمر إلى فتح الحدود البرية، بين الجزائر والمغرب، المغلقة منذ 15 سنة ونفض الشقاق المستفحل بين شعبي البلدين؟

المهم هو أن زعماء العرب اتفقوا على اعتماد آلية إدارة الخلافات بينهم، وتزامنا مع إدراج هذه الآلية في مناهج التعليم الجامعية في البلاد العربية، نتوقع من كل الحكومات العربية ابتداء من الأسبوع القادم أن تعلن تعديلات وزارية جزئية تنشأ بموجبها كل دولة وزارة تسمى وزارة إدارة الخلافات العربية على أن يعقد أول مجلس لوزراء إدارة الخلاف العرب في مقر الجامعة العربية يعرض فيه كل وزير تطورات إدارة الخلافات ويدرس فيه الجميع سبل تعزيز هذه الخلافات وإحصاء الخلافات المستجدة ويضع الآليات اللازمة لإدارتها بإحكام. كما يتوقع أن يعلن في أول اجتماع لوزراء إدارة الخلاف العرب عن إلغاء مبادرة الملك عبد الله (ليس مبادرة السلام مع إسرائيل، فهذه ستلغى بعد نجاح التجربة الجديدة وبعد أن يتفق العرب على اعتماد آلية إدارة الخلاف في صراعهم مع إسرائيل)، أما المبادرة التي ستلغى أولا فهي مبادرة قمة الكويت الاقتصادية التي تقرر فيها إنهاء الخلافات العربية العربية وإطلاق بالونات المصالحة في كل السماء العربية، وعندها علينا أن نرى كيف سيكون موقف الذين هللوا لهذه المصالحات الشفوية والورقية التي جاءت اتفاقية إدارة الخلاف ناسخة لها.

ولعل ثاني ورقة ستصدر عن المجلس الوزاري العربي لإدارة الخلاف هي أن تغلق جميع الفضائيات العربية وجميع وسائل الإعلام الأخرى على أساس أنها هي أصل الخلاف، بعدها يتقرر عقد اجتماعات دورية للزعماء العرب المختلفين، وبدل أن ينقلوا زعلهم وشتائمهم لبعضهم البعض عبر وسائل الإعلام سيتولى وزراء إدارة الخلاف المهمة على أن تكون الاجتماعات مغلقة وغاية في السرية ولن يسمع عنها الرأي العام العربي أي شيء، وهذا سيكون بطبيعة الحال أهم إنجاز للشعوب العربية التي ستعيش فترات هدوء ووئام بدل التوتر والصراع القائم بينها بسبب خلافات لا دخل لها فيها وأغلبها ليس إلا بسبب نزوات حكامها ورؤيتهم الأنانية.


المقال نشر يوم: 03-04-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق