ارشيف القدس العربي

الهجرة غير الشرعية في الجزائر.. براءة الحكومة وجنون الشباب

مئات الجزائريين يقررون كل عام خوض تجربة قاتلة وغير مضمونة العواقب بحثا عن وطن أو مأوى بديل يقدِّرون أنه يضمن لهم عيشا كريما. ظاهرة الهجرة غير الشرعية أصبحت في الجزائر آفة وتعدت كل حدودها المعقولة والمعروفة في باقي دول العالم المتخلف، حتى أن بعض المراقبين صاروا شبه متأكدين أن أبواب الهجرة لو فُتحت للشباب الجزائري لما بقي في البلد شاب واحد، وقد شدت هذه الظاهرة الآفة انتباه أعلى مسؤول في الدولة معترفا بخطورة التنامي الخطير لعدد الذين يفضلون الموت في ظروف تراجيدية على البقاء في بلد يفترض فيه أن يضمن لأبنائه عزة وكرامة وعيشا رغيدا، وبعد اعترافه بأن سياسات الحكومة المنتهجة لم ترق دوما إلى مستوى تطلعات الشباب، وأنها كانت تفتقر للنجاعة والانسجام بسبب غياب الآليات العملية للتشاور والتنسيق. وكان من بين ما أمر به لمحاصرة الظاهرة دعوة وجهها للحكومة والمسؤولين المحليين لـ”إعمال الفكر وإنتاج التحاليل من هذه الظاهرة، بل وأكثر من ذلك القيام بمساع تشاورية دؤوبة وجادة على أوسع نطاق”، وكذا “إدراج انشغالات وطموحات واحتياجات الشباب الجزائري ومشاكله الاجتماعية ضمن الأولويات الوطنية الملحة حتى تستعيد الشبيبة الجزائرية الثقة في مستقبلها وفي مستقبل بلادها”.

واليوم وبعد أزيد من سنة على خطاب فخامته والتعليمات التي أصدرها جاء الرد الرسمي من الحكومة باعتراف آخر أن الظاهرة لم تتوقف ولم تتقلص، بل هي في ازدياد مضطرد رغم كل المحاولات الترقيعية والارتجالية لإعادة غسل أمخاخ الشباب والتأكيد لهم أن بلدهم يبقى أفضل من أمواج البحر وأسنان الأسماك، بل وأحسن أيضا من أي بلد أوروبي يمكن أن يصلوا إليه في رحلاتهم غير المأمونة. ولا بد هنا من الاعتراف أن الحكومة الجزائرية استعملت كل ما أوتيت من ذكاء وحيلة لوضع حد لهذه الظاهرة الآفة، فلجأت إلى حلول ترغيبية وترهيبية من مثل إطلاق وعود للشباب بتوفير وظائف لهم، بل كانت قمة الذكاء ما تفتقت به عبقرية وزير التضامن، وهو الوزير المخول بتوزيع الأموال والمساعدات والوعود أيضا بمناسبة وبغير مناسبة حتى نال عن جدارة لقب بابا نوال، ولأنه يسعى بإخلاص منقطع لوقف ظاهرة الهجرة غير الشرعية من أساسها فإنه وعد كل شاب عائد من رحلة موت فاشلة برصيد مالي يكفيه لإقامة مشروع استثماري، ولا أحد لحد الآن يعلم إن كان وعد الوزير قد تحقق أو إن كان هناك شباب فشلوا في الهروب من بلدهم فقرروا طرق باب الوزير الطائي. هذا عن الجزرة التي مدتها الحكومة للشباب اليائس، أما العصا فكانت مشروع قانون يقضي بتسليط عقوبات تصل حد السجن عشر سنوات للمتورطين في لعبة الموت هذه. لكن الظاهر أن لا الوعد نفع ولا الوعيد. وكان لا بد على الحكومة أن تعود إلى الموضوع بمناسبة عرض قانون تجريم الناشطين في مجال الهجرة غير الشرعية على البرلمان للمصادقة عليه، فجاء الاعتراف التالي قبل يومين على لسان وزير العدل حامل الأختام (الحكومة ولحد الآن لم تصل إلى تحديد أسباب الهجرة غير الشرعية، والبطالة ليست هي السبب الوحيد لأن ضمن المهاجرين غير الشرعيين موظفين وأطباء وطلبة).

الحكومة بكل وسائلها الترغيبية والترهيبية لا تعرف بالضبط الأسباب التي تجعل شبابا جزائريين وحتى كهولا وفتيات ونساء حوامل أو حاملات لرضعهن يختارون المغامرة بحياتهم في عرض البحر على العيش في بلد العزة والكرامة. هناك مؤشر وحيد فقط هو أن البطالة سبب من الأسباب لكنها ليست السبب الوحيد. ولم يقل لنا معالي الوزير ما هي خطة التحقيق التي اعتمدتها الحكومة لأزيد من سنة لمعرفة أسباب تفشي ظاهرة الهروب الإرادي وغير المضمون من البلد. لعل الحكومة حاولت أن تسأل الشباب الهارب فلم تتمكن من الوصول إليه لأن جزءا منه صار في عداد الموتى والجزء الآخر موزع بين معسكرات اللاجئين والسجون الأوروبية أو أنه انتقل إلى حياة أخرى يصعب العثور عليه لأنه في غالب الأحيان يعيش بهوية مزيفة ووثائق مزورة.

ولأن الحكومة حريصة على أن تكون أمينة وصادقة في عملها فإنها تصر على أن تسمع من المعنيين أنفسهم تبريرهم للأسباب التي جعلتهم يكرهون بلدهم ويفضلون الموت البشع على الحياة فيه، لهذا فإنها لم تجد غير الاعتراف أنها عاجزة عن الوصول إلى معرفة أسباب ظاهرة الهجرة غير الشرعية. ترى، ما هي الأسباب الأخرى غير البطالة التي تجعل شبابا في زهرة العمر يُقبلون طوعا على قذف أنفسهم في عرض البحر وهم يعلمون مسبقا أن هناك احتمالا كبيرا أن ينتهوا في فم الحوت؟ هل تعلم أخي القارئ أي سبب يؤدي بالشباب الجزائري إلى اختيار هذا المصير المأساوي غير البطالة؟ وإذا وجد أحدكم أي سبب غير البطالة فنرجو منه أن يفيد به الحكومة الساعية بجد إلى معرفة السر.

لكن قبل أن ترسلوا إجاباتكم اسمحوا لي أن أساعدكم حتى لا تضيعوا وقت حكومتنا الموقرة الثمين بأجوبة غير صحيحة. قد يتبادر إلى ذهن الكثيرين منكم أن من بين أسباب هروب الشباب الجزائري من بلده ظروف العيش المزرية والتهميش الظالم الذي يتعرض له الشاب الجزائري النموذجي في بلده وهذه الأوصاف كلها يجملها الجزائريون في كلمة واحدة هي (الحڤرة). قد يفكر آخرون في انسداد أي أفق سياسي في البلد، وقد يرى من يرى أن انتشار الفساد والاختلاس المقنن من أسباب تفاقم الظاهرة، وقد يعتقد البعض أن احتكار العمل السياسي والنشاط الاقتصادي في يد فئة السلطة والدائرين في فلكها من أسباب لجوء الشباب في الجزائر إلى ركوب أمواج الموت، وقد يقول آخرون إن الجزائر لا تختلف في رأي الكثيرين عن بقعة جحيم لا يطاق العيش فيها، وقد يحاول من يحاول تفسير الظاهرة بعجز نظام الحكم عن جعل الجزائر بلدا يحترم مواطنيه ويوفر لهم فرصا متساوية في التعليم والعمل والنشاط السياسي، بلدا تكون ظروف العيش فيه مشابهة لظروف العيش في أي بلد غني بثرواته الطبيعية والبشرية. قد تكون هناك أسباب أخرى لا يكفي المكان لحصرها، لكن اسمحوا لي بالقول إن كل هذه أسباب ومبررات واهية لن تفيد الحكومة الموقرة في شيء. وابحثوا لكم عن أسباب أخرى أو اعترفوا أنتم أيضا أنكم عاجزون.

ظروف العيش المهين والظلم والفساد والتهميش الظالم والانسداد والاحتكار كلها أمور موجودة فعلا في الجزائر، والحكومة على اطلاع واسع بها لكنها ترى أنها ليست الأسباب الرئيسية لانتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية. تقارير المنظمات والهيئات الدولية الرسمية وشبه الرسمية والمالية والحقوقية والإنسانية كلها أو جلها تصنف الجزائر في أدنى الدرجات وأخزاها، والحكومة تتلقى هذه التقارير أو على الأقل تقرأ عنها في وسائل الإعلام هنا وهناك لكنها ترى أن كل ذلك (باستثناء البطالة) ليس كافيا لدفع الجزائر إلى البحث عن حياة أفضل (في الدنيا أو في الآخرة)، ولعلكم جميعا تحفظون المقولة التي اشتهر بترديدها الشباب الهارب من بلده، يقولون عندما تهددهم بعواقب المغامرة غير المضمونة (يأكلني الحوت خير من أن يأكلني الدود)، والدود هنا لا يقصد به دود القبر، بل هي صورة لمصير يعتقد الشاب الجزائري أنه يسير إليه لا محالة إذا بقي داخل الجزائر.

ماذا بقي إذن من أسباب ما دامت الحكومة لا ترى في كل ما سبق تبريرا أو تفسيرا لتفاقم الظاهرة الآفة؟ أنا شخصيا عندي تفسير لما يجري ولا أدري إن كانت الحكومة ستقبله وتعتمده حتى تريح نفسها من عناء البحث أم لا. الظاهرة فعلا صارت محرجة ومشوشة على العمل الحكومي الجاد من أجل الحفاظ على الجزائر في مصاف الدول المحترمة والراقية، لذلك فإنني أقترح على المسؤولين عندما يواجَهون بأسئلة عن ظاهرة الهجرة غير الشرعية أن يعترفوا أولا أن البطالة قد تكون سببا جزئيا لهذه المصيبة، لكن هناك أسبابا أخرى أشد وأعم ولا تملك الحكومة أمامها أن تفعل أي شيء، ومن هذه الأسباب أن الشباب الجزائري، عافاكم الله، مصاب بسحر عظيم أو أنه تنفس في مكان ما جرعة مخدرة جعلته يرى الجنة التي يعيش فيها جحيما والجحيم الأوروبي جنة والبحر بينهما طريقا مفروشا بالورد والريحان والياسمين، وهذه هي قمة الجنون نسأل الله لهؤلاء الشباب المعافاة وللحكومة الموقرة كثيرا من الصبر لأن الأمر فوق طاقتها.

وحتى تبرئ الحكومة ذمتها أمام الله وأمام التاريخ فقد قال معالي وزير العدل أمام أعضاء البرلمان كلمة حق أرجو من الجميع أن يقرأها بتمعن ويجتهد في إطارها. فقد (أوضح الوزير أن ظاهرة الحراڤة (التسمية المحلية للهجرة غير الشرعية) هي قضية مجتمع وليست قضية حكومة، منتقدا أداء الأحزاب السياسية والمجتمع المدني في التكفل بهذه الظاهرة ومتسائلا عن ما قدمته هذه الأخيرة كمقترحات للتكفل بالقضية التي أخذت أبعادا خطيرة من وجهة نظره بينما لا يوجد حزب نصب خلية أو لجنة حزبية للتكفل بالظاهرة والبحث في أسبابها ودافعها، كما حث الوزير أعضاء البرلمان وبصفتهم ذوي اختصاص بإنجاز دراسات في هذا الإطار).


المقال نشر يوم 28-01-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق