ارشيف القدس العربي

انتخابات الرئاسة الجزائرية ستكون نزيهة.. وعد من بوتفليقة!

اهتمت صحف ومواقع جزائرية في اليومين الماضيين بتصريح نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عن عضو بمجلس الشيوخ الفرنسي اسمها سامية غالي، وفيه كشفت أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بدأ يفكر في من يرثه في كرسي الرئاسة وأنه ألمح إلى ذلك خلال استقباله الأحد الماضي وفدا فرنسا كانت سامية غالي ضمنه. السيدة الفرنسية، وهي من أصول جزائرية، لم تقل أكثر من أنها فهمت من كلام بوتفليقة أنه يفكر في خليفته، إلا أن ذلك كان كافيا لإضفاء مزيد من الشكوك والغموض حول مجريات الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 9 أبريل القادم، فذهب معلقون إلى حد تفسير هذه التلميحات بأنها إشارة إلى أن الرئيس بوتفليقة قد يطلع علينا يوم غد الخميس بمفاجأة القرن يعلن فيها أنه بات زاهدا في الحكم وأنه لن يترشح لفترة ثالثة مهّد لها بتعديل دستوري فصّله على مقاسه.

وكأن السيناتورة الفرنسية اندهشت لما لقيه تصريحها من رواج في الأوساط الإعلامية والسياسية الجزائرية فقررت أن تزيدنا جرعة إضافية من أسرار اعترافات فخامة الرئيس خلال الجلسة الحميمية التي استمرت ثلاث ساعات توصلت فيها السيدة الفاضلة إلى أن بوتفليقة يتمتع بصحة جيدة (شكرا لك طمأنتينا)، وأضافت في تصريح آخر خاص نشرته صحيفة “الوطن” أمس أن فخامة الرئيس بوتفليقة لم يقرر بعد إن كان سيترشح للانتخابات أم لا وأنه يراقب الوضع حوله ليعرف المزيد عن الشخص الذي سيخلفه في كرسي الرئاسة. وعندما سألت الصحيفة السيناتورة عن هوية هذا الشخص ردت أن ذلك يبقى من أسرار المجالس، إلا أنها قالت إنّ فخامته كان يقصد شخصا بعينه وقد سماه وهو يتمتع بمواصفات تؤهله لتولي رئاسة البلد يوما ما. وأضافت أن بوتفليقة أكد لضيوفه أنه واعٍ أن ساعة التغيير قادمة، وأن العالم يتجه نحو مزيد من العمل الديمقراطي وأن الجزائر في حاجة إلى شخصية من الوزن الثقيل لتولي القيادة.

كلام يفتح الشهية طبعاً ويثير في المهتمين بالشأن الجزائري فضولا يدفعهم إلى التخلي عن التأويلات الخاطئة بخصوص أن بوتفليقة يسعى إلى الخلود في الكرسي وأنه عدّل دستور البلد، قبل ثلاثة أشهر، من أجل ذلك. والآن ها هي ظنوننا تخيب بعد أن اكتشفنا، بفضل السيناتورة الفرنسية، أن فخامته يدرك جيدا أن العالم من حوله يتغير نحو مزيد من الديمقراطية وأنه حريص على أن يكون وريثه شخصية قوية وكاريزمية. لكن تمنيت لو أن السيدة غالي أخبرتنا هل كان فخامة الرئيس بوتفليقة، وهو يقول إنه لم يقرر بعد إن كان سيترشح للانتخابات الرئاسية أم لا، يقصد الانتخابات المقررة بعد شهرين من الآن أم انتخابات 2014، لأنني أرجح أن المقصود هو 2014 أو ربما 2019، وإلى حين وصول أحد هذين الموعدين نسأل الله أن يمن علينا بوريث يكون في مستوى المسؤولية حتى يرضى فخامته أن يسلمه مفاتح العرش. أما الآن فلا أرى أن هناك شخصا يملأ العين ويمكن أن يكون في مستوى منافسة فخامته على الكرسي، وإذا لم تصدقوا فانتظروا كيف ستكون بيعة الرئاسيات القادمة وكيف سيخرج منها فخامته متوّجا بنصر مبين.

طبعا لن يكون هناك تضييق ولا تزوير ولا تهميش، فالانتخابات ستكون كسابقاتها نزيهة ونظيفة وطاهرة، الباب مفتوح أمام كل الناس ليترشحوا والشعب ستتوفر له كل الظروف ليدلي بصوته ويختار من يشاء بكل حرية وسيادة والنتائج ستكون، كما تعودنا منذ سنوات، ترجمة صادقة لما يريده الشعب الجزائري.

الدستور يضمن للشعب حرية اختيار من يحكمه وقانون الانتخابات يؤكد ذلك، وحتى يزول كل تشكيك، ها هو صاحب الفخامة يصدر تعميما رئاسيا يثلج الصدور ويبعث الطمأنينة في قلوب الناس ويجعلنا من الآن متأكدين أن انتخابات 9 أبريل ستكون أشد نزاهة من الانتخابات الأميركية الأخيرة وأنظف من الانتخابات الإسرائيلية وأقوى من الانتخابات الإيرانية المقبلة. وإذا لم تصدقوا فما عليكم إلا أن تتمعنوا في نص التعميم الرئاسي الذي أصدره فخامة الرئيس بوتفليقة مباشرة بعد إعلانه عن تاريخ الانتخابات.

يقول البيان الرئاسي إن فخامة الرئيس وجه تعميما إلى (السلطات والأعوان العموميين المعنيين بتنظيم هذا الانتخاب وسيره، آمرا إياهم بالسهر على حسن سير هذه الاستشارة الهامة في كنف مراعاة القانون والحياد)، وشدد البيان على حرص صاحب الفخامة (على تنظيم هذا الانتخاب وفق الشروط المطلوبة من حيث النزاهة والشفافية والمصداقية). وقد ذكّر الرئيس في تعميمه (بالضمانات الأساسية المكرسة قانونا لإتاحة إجراء الاقتراع في ظروف الشفافية والسلامة المطلوبة)، وألحّ أيضا على (السلطات والأعوان العموميين على إلزامية احترام قواعد الحياد احتراما دقيقا).

ولأن فخامته يعلم أن هناك أناسا ذوي نوايا سيئة يصرون على اعتبار الجزائر دولة متخلفة وتسلطية يحكمها نظام دكتاتوري فإنه قرر خطوة أخرى من أجل (تعزيز شفافية الاقتراع) تتمثل في تعيين لجنة سياسية وطنية لمراقبة الانتخاب الرئاسي تتمثل مهمتها في مراقبة المسار الانتخابي في جميع مراحله)، وتتألف اللجنة من ممثلين عن الأحزاب السياسية المعتمدة وممثلي المرشحين الرسميين للانتخاب، وكل هذه الإجراءات، كما يقول البيان الرئاسي (اتخذت من باعث حرص رئيس الجمهورية على ضمان حسن تفعيل العدة التشريعية والمؤسساتية التي تضمن سلامة الاقتراع وهي تعكس عزمه على أن تتميز الاستشارة المقبلة بالشفافية والإنصاف وتتيح من ثمة للشعب أن يعبِّر عن إرادته بسيادة تامة غير منقوصة).

ولأن فخامته يعلم أيضا أن ذلك لا يكفي لإسكات كل المشككين، فإنه ومن باعث حرصه على الشفافية (أوعز للحكومة بإخطار المنظمات الدولية والجهوية التي تنتمي إليها الجزائر أي منظمة الأمم المتحدة ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الإفريقي لكي تقوم بإيفاد ملاحظين يتولّون مراقبة مجريات الاقتراع المقبل).

فهل بقي بعد كل هذا لأحد من شك في أن فخامة الرئيس الجزائري المقبل سيكون شخصا آخر غير الذي يختاره الشعب الجزائري بكل شفافية ونزاهة وبضمانات دولية وإقليمية. وحتى لو قلنا من الآن إن فخامة الرئيس بوتفليقة هو الذي سيرث نفسه فإن ذلك لا يعني أننا نشكك في نزاهة الانتخابات، كلا وألف كلاّ! ستكون انتخابات 9 أبريل عرسا ديمقراطيا نزيها ونظيفا، وسيخرج الجزائريون عن بكرة أبيهم لمبايعة فخامته في ظل انتخابات شفافة وتحت أعين مراقبي الجامعة العربية والاتحاد الإفريقي والمؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة، وهي كلها منظمات لا يرقى شك إلى نزاهتها وحيادها.

وندائي إلى كل العالم أن يتابع انتخاباتنا ويراقبها ليتعلم كيف تكون الانتخابات في بلد عربي ديمقراطية ونزيهة وكيف يختار الشعب من يرأسه بكل شفافية وحرية. أما إذا تبين لكم بعد ذلك أن هناك غشا من أي نوع كان، فرجاء لا تتهموا النظام ولا حتى فخامته، فهو قد أصدر تعليمات واضحة وصارمة للجميع بضرورة التزام الحياد والشفافية، وإذا كان هناك خلل فابحثوا عنه في مكان آخر، وقد يكون هذا المكان الآخر هو الشعب الذي يهوى دائما التعتيم على نفسه ورأيه.

وهنا لا بد أن أتوجه باعتذار رسمي إلى سلطات بلدي لأنني أسأت الظن بها. فقد سألتني ابنتي الصغيرة ونحن نتابع مراسم تنصيب الرئيس أوباما إن كان بإمكانها يوما أن تصبح رئيسة هي الأخرى ما دام المنصب يؤول إلى أصحابه بالتداول وعن طريق الصندوق؟

عندها رددت عليها أن ذلك ممكن، لكن ليس في الجزائر، بل في أمريكا ربما، والوقت أمامها لكي يزداد الشعب الأمريكي وعيا وتطورا ليقبل أن تحكمه امرأة مهاجرة ومسلمة، وفي انتظار ذلك عليها أن تجتهد لتحصل على جنسية البلد. لعلها فهمت أن الوقت ليس في صالحها أو أنها متمسكة بوطنها الأصلي، فتساءلت لماذا لا يكون ذلك ممكنا في الجزائر؟ فأجبتها أن فخامة الرئيس بوتفليقة سيبقى رئيسا إلى أن يشاء الله ولا دخل للشعب في الأمر. حينها أحسست أنها غاضبة من هذا الكلام، وأطلقت تساؤلا آخر لم أجب عنه، قالت فيه (لماذا هو أناني هكذا؟).

أتمنى أن تراجع حكمها بعد أن أتلو عليها نص البيان الرئاسي وأفهمها أن الانتخابات الشفافة والديمقراطية في الجزائر هي التي تجعل الرئيس رئيسا مدى الحياة، وكل الضمانات القانونية والدولية الأخرى تشهد على ذلك.


المقال نشر يوم 11-02-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق