ارشيف القدس العربي

بوتفليقة يبدع في مسرحية الانتخابات الرئاسية

دشن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة يوم الخميس الماضي الموسم الثالث من مهرجان المسرح التراجيكوميدي، معلنا انفراده للموسم الثالث بدور البطولة في مسرحية “الانتخابات الرئاسية الديمقراطية”. وقد حضر العرض الأول من المسرحية حوالي خمسة آلاف متفرج من عشاق هذا النوع من المسرحيات التي يتوقع المختصون أن تحقق نجاحا باهرا يفوق نجاح عادل إمام في “الزعيم”.

فخامة الرئيس أعلن، خلال العرض الأول، أنه قرر الترشح للانتخابات الرئاسية المقررة يوم 9 أبريل المقبل نزولا عند إلحاح (أحزاب التآلف الرئاسي والمنظمات والجمعيات الوطنية بتفرعاتها واختصاصاتها ومنظمات أرباب العمل والمجتمع المدني وجميع المواطنين والمواطنات الذين آثروني على أنفسهم واستجابوا لهذا النداء واستمدوا منه موقفا وجهروا به صريحا مدويا)، ولأن النداء كان مدويا فإن فخامته صعُب عليه، كما قال، أن يصم أذنيه أو أن يوليه دبره. كانت هناك أحزاب ومنظمات وشخصيات أخرى تطلق نداءات من أجل أن يلتزم فخامته بما نص عليه دستور 1996 ويكتفي بفترتين ويفسح المجال لشخص آخر يخلفه، لكن أذن السيد الرئيس لم تكن تسمع مثل هذا النداء ربما لأنه لم يكن مدويا كالآخر أو أن الأذن المرهفة لا تسمع إلا ما تريد أن تسمع.

ولأن فخامته يرى نفسه أكبر من أن يستوعبه حزب من الأحزاب أو منظمة أو جمعية فإنه قرر الترشح مستقلا، مثلما فعل في المرة الأولى والثانية، على أن تبذل الأحزاب والمنظمات المساندة جهدها لإنجاح العرس المسرحي وسينال كل واحد جوائز على قدر الاجتهاد. جميع هذه الأحزاب والمنظمات تعلم أن المطلوب منها ليس ضمان فوز فخامته وإعلان تتويجه عند آخر فصل من المسرحية، فهذا من مهام كاتب السيناريو ومخرج المسرحية وهو أمر مضمون منذ اليوم الأول، أما المطلوب من هذه الحشود فهو أن تحرص على أن تكون المسرحية ناجحة والحضور متميزا وحاشدا طيلة أيام العرض. ولو سألتم أي جزائري أو جزائرية إن كان يرى غير فخامته رئيسا للسنوات القادمة فإن الجواب سيكون بالنفي، ذلك أن مخرجي مسرحيات الانتخابات عندنا عوّدوا الشعب على أن تكون حياته خالية من المفاجآت والسوسبانس وأن يكون دائما على اطلاع بنهاية المسرحية قبل عرضها حتى. ولتسمح لي أحزاب التآلف والتحالف والتعالف أن أسبقها هذه المرة إلى تقديم التهاني إلى صاحب الفخامة على فوزه في الانتخابات المقرر إجراؤها بعد أقل من شهرين (في نطاق الحرية والشفافية التامة). لن أنتظر حتى تنتهي العروض. المسرحيات لم تعد تستهويني، ولهذا فأنا لا أريد أن يسبقني المتفرجون إلى التصفيق والتهنئة في آخر يوم من العرض. بل سأبادر بتوجيه نداء ملحّ ومدوّ إلى فخامته من أجل وقف العرض في بدايته، فنحن لا نريده أن يتعب في تمثيل مسرحية يحفظ الجميع فصولها وتفاصيلها، وأجدر له أن يدّخر طاقته وموهبته لإكمال مسيرة التنمية وترقية المصالحة الوطنية والسمو بالجزائر إلى أعلى الفضاءات. أرجو أن يلتف آخرون كثيرون حول ندائي هذا لعل الصرخة تصل هذه المرة إلى أذن صاحب الفخامة فيصعب عليه أن يصم عن هذا النداء ويقرر البقاء في منزله أو مكتبه في انتظار إعلان تتويجه فائزا وحيدا وعن جدارة في انتخابات 9 أبريل.

أجزم لك يا فخامة الرئيس أنك ستبقى رئيسا بعد 9 أبريل وأن نتائج الانتخابات ستكون لصالحك دون منازع، أنت لا تشك في هذا أبدا، لكن أريد فقط أن أطمئنك وأدعوك إلى أن تقر عينك. أنت تعلم ونحن نعلم وهم يعلمون أنك ستبقى رئيسا لفترة قادمة، لهذا لا أرى داعيا لأن تجهد نفسك في إقناع الناس بقرار محسوم أو باقتحام الأبواب المفتوحة، كما يقول الفرنسيون. يمكنك أن تترك أرانب السباق تلهو وتأكل بعض الجزر، لكن أن تشغل نفسك بالأمر وأن تجوب البلاد طولا وعرضا في تمثيلية مشروخة فهذا ما لا أتمناه لك. لماذا تضيع وقتك ووقت شعبك في تقديم وعود وتفصيل ما تمسيه برنامجك الانتخابي؟ يمكنك أن تبدأ من الآن في تطبيق البرنامج، فأنت الآن رئيس وستبقى الرئيس بعد موعد الانتخابات، فابدأ من الآن في (مواصلة الجهد الجاري بذله) ترقية المصالحة الوطنية ومصالحة الجزائريين مع أنفسهم ومع وطنهم وترقية وتعزيز الديمقراطية بفتح مجالات أوسع للمرأة. هذه نقاط قدمتها في عرضك الافتتاحي، وقد فهمناها وعرفنا تفاصيلها ولا نريدك أن تتوقف كثيرا عندها، ابدأ في العمل وشكّل حكومتك الجديدة من الآن إن أردت، فحتى هذه صرنا نعرف أنها ستتشكل من أحمد أويحيى وزيرا أول أو وزير دولة، ومن بلخادم وبوجرة وولد عباس وبن بوزيد ولوح وغول ونوارة وتو وبركات وشكيب وطمار… جدِّد فيهم الثقة من الآن وكلفهم بما هم مكلفون به من سنين، فالمهمة شاقة والجزائر متلهفة لمزيد من قراراتكم الحكيمة والخدمات الجليلة التي قدمتموها للبلد وشعبكم العظيم. وإذا شئت أن تحمل للرأي العام شيئا من المفاجأة فأقترح عليك أن تستحدث حقيبة وزارية جديدة تحت اسم وزارة ترقية المصالحة الوطنية (على غرار ترقية الاستثمار) وأنا أرى أن أحسن من ستيولى المنصب هو أخونا حسان حطاب فخطابه الأخير واللوك الجديد الذي ظهر به يؤهلانه للمنصب دون منازع. يمكن أيضا استحداث وزارة أخرى باسم وزارة مكافحة الإرهاب أو دمج الوزارتين معا ونفس الشخص مؤهل لتولي الحقيبة عن جدارة. صدقني، ستكون المسرحية أكثر تشويقا لو تجاوزت فصول الحملة الانتخابية وبدأت مباشرة في تجسيد الوعود. ولا داعي للقلق بشأن الملاحظين الأجانب، فهم أيضا مندمجون في العملية ولن يصدر عنهم شيء مزعج إذا لاحظوا أن السيناريو قد حصل عليه تعديل ما.

التلفزيون الحكومي (وأعود فأذكّر لمن نسي أنه الوحيد ولا منافس له في بلد العزة والكرامة والديمقراطية) منهمك منذ أسابيع في ملاحقة المواطنين الجزائريين في القرى والأرياف والمدن لمتابعة نشاطهم المحموم من أجل تسجيل أنفسهم في قائمة الناخبين الوطنية، وهم لا يتوقفون عن التأكيد على فرحهم وسرورهم لأنهم سجلوا أنفسهم وحصلوا على بطاقة الناخب التي تتيح لهم ممارسة حقهم وواجبهم الدستوري في الإدلاء بأصواتهم يوم الاقتراع. كل نشرات الأخبار لا تخلو من ربورتاج أو اثنين عن عملية التسجيل والتحويل وكل الوجوه مستبشرة بالانتخابات وبالتسهيلات التي تقدمها لهم الإدارة من أجل تسجيل أنفسهم في قائمة الناخبين. نعم هذا حقهم وواجبهم كما يقولون هم وكما قاله قبلهم الوزراء وموظفو الإدارة، لكن ليسمح لي إخواني أن أقول لهم هم أيضا إن حقكم مكفول ومضمون سلفا، ولتتأكدوا أن حكومتكم لن تتخلف هذه المرة وهي لم تتخلف يوما في تسهيل ممارسة هذا الحق والواجب، وسواء عليكم أحصلتم على بطاقة الناخب أم لا فإن الانتخابات ستجري وفخامة الرئيس بوتفليقة سيبقى في منصبه وسيشكركم كثيرا على أنكم كنتم في مستوى المسؤولية. فعليكم أن تستعدوا أنتم أيضا من الآن للخروج في مظاهرات الفرح والاحتفال يوم 10 أبريل، فهذا أيضا واجب وطني عليكم.

بقي لي سؤال واحد لإخواني المواطنين في القرى والأرياف والمدن، وأخص منهم الشباب ذخر الأمة وكنزها. هل زاركم التلفزيون يوما وسألكم باهتمام إن كنتم حصلتم على منصب شغل مثلما يسألكم اليوم إن كنتم حصلتم على بطاقة الناخب؟ وهل جاءكم والي الولاية أو رئيس الدائرة أو رئيس البلدية أو وزير الداخلية أو وزير التضامن أو حتى رئيس الجمهورية وأخبروكم أن العمل حق لكم وواجب على الدولة أو سهلوا لكم الحصول على سكن تتزوجون فيه أو على منصب عمل يقيكم شر البطالة والتفكير في الهروب إلى أوروبا مثلما ترونهم الآن يسهلون لكم إجراءات الحصول على بطاقة الناخب لاستعمالها يوم الاقتراع؟ هل سألكم هؤلاء يوما إن كان الماء الزلال يصل إلى بيوتكم باستمرار أو إن كنتم تتوفرون على حافلات وقطارات تضمن لكم الوصول إلى مقر عملكم بانتظام أو سألوا العاملين منكم إن كان الراتب الذي تتلقونه كافيا لإعالة أولادكم وتوفير تعليم وعلاج مقبولين لهم؟ إذا كنتم تحظون بهذا الاهتمام بخصوص كل هذه المسائل التي هي أيضا حق من حقوقكم الدستورية فطالبوا من التلفزيون أن يكون حاضرا لينقل لنا بالتفصيل اهتمام الحكومة بكم على غرار الاهتمام الذي توليه لكم من أجل أن تحصلوا على بطاقة الناخب لتمارسوا بها حقا وواجبا نتائجه معلومة سلفا.


المقال نشر يوم 18-02-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق