مقالات

بين “خبارجي” 2020 و”خبارجي” 2017

أحسن ما كان ينبغي على السلطات الجزائرية أن تتهم به خالد درارني وتبرر اعتقاله والحكم عليه بالسجن هو أن تقول إن هذا الشخص ليس مواطنا جزائريا، وقد حصل على أوراق هوية مزيفة، استغلها لإثارة البلبلة في البلد بإيعاز من مخابرات بلده الأصلي.

لكن وزارة الاتصال فضلت بدلا عن ذلك التأكيد على أن درارني دخيل على مهنة الصحافة وأنه “لم يكن حاملا أبدا لبطاقة الصحفي المحترف“، مشددة على أن قضية هذا الأخير لا علاقة لها بالعمل الصحفي ولا بحرية الإعلام. والحقيقة أن هذا التبرير ليس جديدا، بل صدر من قبل عن رئيس الجزائر الديمقراطية الشعبية شخصيا. تطابق لا أجد له شخصيا تفسيرا آخر غير أن الذي أصدر هذا الحكم بنفي صفة الصحفي عن خالد درارني إنما هو جهة واحدة وزعت حكمها على رئيس الجمهورية وعلى وزير الاتصال في حكومة الجمهورية وأيضا على القاضية المستقلة في محكمة الجمهورية.

تصريحات الرئيس والوزارة وحكم القاضية وأيضا مرافعة ممثل الحق الحكومي في المحكمة تحمل كلها نبرة جادة يكاد المرء يصدقها لولا أن الأمر يتعلق بمسؤولين في بلد اسمه الجزائر. بلد لا يمكن لأحد أن يصدّق فيه شيئا يصدر عن أي مسؤول أو سياسي أو قاض أو جهة أمنية، لا لشيء إلا لأن هؤلاء الأشخاص ليسوا أحسن حالا من هذا الشاب الذي تكالبوا عليه، أشخاص انتحلوا صفاتهم وتولّوا مناصب المسؤولية زورا وبهتانا. أشخاص يقولون يتربّبون على الشعب دون أن يحصلوا منه على “بطاقة الحاكم الشرعي”، وهذا كاف لأن يفهم الناس (وهم أنفسهم يدركون ذلك جيدا) أن ما يصدر عنهم من تصريحات ووعود واتهامات وأحكام إنما هي زيف وكذب وافتراء.

من ذا الذي يجد في نفسه ذرّة استعداد لتصديق أشخاص يكونون اليوم مسؤولين وحكاما وغدا يجدون أنفسهم وراء القضبان أو فارين إلى الخارج ملاحقين بتهم أولها خيانة الأمانة وآخرها الخداع؟ أتمنى من الباحثين أن يبحثوا لنا عن أي بلد غير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية فيه هذا العدد الهائل من المسؤولين (رؤساء حكومات، وزراء، جنرالات، رجال أعمال، قضاة…) وراء القضبان أو هاربين خارج البلاد بتهم الفساد. نفس هؤلاء المسجونين كانوا يدلون بتصريحات عن (درارنيات) آخرين بعضهم لا يزال في السجون معهم وبعضهم لاجئون في بلدان أخرى وآخرون ماتوا ظلما وقهرا. لماذا تريدون منا إذن تصديق ما يقوله عبد المجيد تبون أو عمار بلحيمر وغيرهم اليوم، بينما واقع الجزائر يقول إن هؤلاء المسؤولين ليسوا في مأمن من الاعتقال يوما ما وملاحقتهم بتهم الفساد والانتماء إلى عصابات النهب والسلب وحكم الزور؟

وحتى لا نتيه كثيرا خارج موضوع الصحافة والصحفيين، دعونا نراجع تصريحات وتعامل هؤلاء المسؤولين مع معطيات الخارطة الإعلامية الراهنة في الجزائر. يتهمون خالد درارني بالعمل لصالح جهات إعلامية أجنبية بدون ترخيص وخارج إطار القانون، بينما هم في نفس الوقت يصرون على مخالفة نفس القانون من خلال منع إصدار التراخيص للمهنيين لإنشاء قنوات تلفزيونية وإذاعية جزائرية خالصة، بل إنهم بدلا عن ذلك يشجعونهم على التحايل ودخول المهنة من أبوابها الخلفية بهويات أجنبية. وعند تعاملهم مع هذه القنوات نراهم يعتبرونها قنوات وطنية جديرة بالحصول على إعلانات وإشهار المؤسسات الجزائرية ومسؤولوها يحتفى بهم داخل قصر الجمهورية وفي مؤسسات الدولة الجزائرية الأخرى.

بل حتى قناة “النهار” التي رموا بمديرها في غياهب السجن، ولا أحد إلى اليوم يعلم تفاصيل التهم الرسمية الموجهة إليه، لا تزال تمارس نشاطها بصورة عادية مع أنها وفقا لأحكام القوانين الجزائرية “قناة أجنبية”. هل تجدون بعد هذا تفسيرا لما يجري في الحقل الإعلامي غير الذي يعرفه الرأي العام من أن السلطة الحاكمة لا يهمها من أمر تطبيق القانون واحترام أحكام الدستور شيء غير الاستمرار في إبقاء هذه الوسائط الإعلامية مغلولة ومُسخّرة فقط لخدمة الحاكم أو على الأقل ساكتة عن الحق عندما يتعلق الأمر بممارسات الحكم ومعاناة الشعب.

رئيس “الجزائر الجديدة” اقتنع تماما بما قيل له بشأن خالد درارني، ومن دون أن يسأله أحد بادر في لقائه الصحفي الدوري يوم 1 مايو 2020 بتنبيه القضاء المستقل إلى أن خالد درارني متهم بالتخابر مع الأجانب أكثر من كونه إعلاميا، ولا أدري ماذا كان يدور في خلد هذا الرئيس وهو يقول هذا الكلام عن درارني الذي نزل عنده ضيفا قبل أربع سنوات حين كان وزيرا للسكن في حكومة عصابة بوتفليقة، وأكاد أجزم أن ذلك اللقاء كان من بين العوامل التي جعلت بوتفليقة يختاره لتولي منصب الوزير الأول.

تبون كان وفيا لمنطق الحاكم في الجزائر، عندما أطلق سلسلة من الأحكام المحرّفة عند تطوّعه لإطلاق النار على خالد درارني بأن ربط بينه وبين منظمة “مراسلون بلا حدود” التي اتهمها بطريقة خبيثة بالتحامل على الجزائر، بل وبقتل وتعذيب الجزائريين خلال الحقبة الاستعمارية. وهكذا أصبح خالد درارني، بقرار من تبون، عميلا وخائنا وخادما لأعداء الجزائر، بل عدوا لوالده الذي كافح الاستعمار.

في تصريحه القصير عن قضية درارني، أطلق تبون جملة من المغالطات التي لا تليق برجل يفترض فيه أنه رئيس دولة تحترم نفسها. تحدث في البداية عن “روبير مينار” مؤسس منظمة “مراسلون بلا حدود” وقال عنه إنه “رئيس” المنظمة، بينما الأصل أنه مؤسسها. وإمعانا في المغالطة لم يذكر أن الرجل تخلى عن منصب الأمين العام لهذه المنظمة منذ اثني عشر عاما. ثم قال إن “مراسلون بلا حدود” لا تهتم بأي بلد آخر غير الجزائر، وهذا حكم قيمي يحمل إهانة للرئيس الذي قال هذا الكلام قبل أن يصيب المنظمة بسوء؛ ذلك أن آخر طالب في الإعلام يمكنه أن يفتح موقع هذه المنظمة ليكتشف أن تبون متحامل على “مراسلون بلا حدود” حتى لا نقول مفترٍ عليها. فالمنظمة تهتم بمدى احترام حرية الإعلام وسلامة الصحفيين في مشارق الأرض ومغاربها وإن كان هناك كلام عن الجزائر فلأن هناك انتهاكات ضد الصحفيين وحرية التعبير، وتقاريرها السنوية التي تصدرها تتكلم عن الجزائر مثلما تتكلم عن الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والمغرب وتونس وسوريا ومصر.

الرئيس تبون اتهم خالد درارني بسوء (كما يمكنكم الاستماع إليه بوضوح في هذا المقطع) واستعمل في حضرته صفة “الخبارجي” أي باللغة الفصحى “الجاسوس” أو “المخبر” لصالح دولة أجنبية أغلب الظن أنها فرنسا. وإذا كان هذا هو منطق رئيس الجمهورية الجزائرية وقاضي القضاة في كشف الخونة والجواسيس، فماذا يقول فخامته في رئيس حكومة جزائري التقى (في فرنسا) برئيس حكومة هذا البلد دون أن يكون في زيارة رسمية ودون تكليف أو إذن من رئيسه؟ هل تكفي صفة (الخبارجي) أم هناك وصف أشد من نفس درجة المسؤولية؟

ألم أقل لكم إن البلد كله ضائع في مغالطات وأكاذيب!


اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق