ارشيف المدونة الخاصة

حزين.. ولا أملك غير ذلك الآن

جرائم القتل والحرق والتخريب وترويع الآمنين لا تزال مستمرة في غرداية، ولا أمل في الأفق لدى سكان المنطقة. سألت من حولي، هل هناك انتخابات في المستقبل القريب، أم مواعيد سياسية يستعد لها كبار القوم في الجزائر؟ الظاهر أن كل شيء اكتمل بإنجاز انتخابات الرئاسة وتثبيت الرئيس المقعد في مقعده. لماذا إذن لا تزال الفوضى مستمرة في منطقة وادي مزاب، وقد صدعوا رؤوسنا بالتأكيد على أن كل تلك الأحداث إنما افتُعلت من أجل ضمان مسار تثبيت العهدة الرابعة وبعدها ستعود الأمور إلى نصابها؟ أنا شخصيا لم أصدق يوما أن ما حدث ويحدث في غرداية من أعمال إجرامية له ارتباط بأجندات سياسية داخلية أو خارجية، لكن هذا يبقى رأيي الخاص وهو ليس موضوعا لنقاش يخرجنا عن صلب الموضوع الذي هو معاناة أهل مزاب من عدوان أفقدهم أمانا واستقرارا وهدوءا طالما حسدهم عليه كثيرون.

كتبت قبل فترة مقالين وبضعة تعاليق عن المأساة التي يعيشها أحبتي في غرداية، وقد اضطررت إلى ذلك بسبب هول ما كان يحدث، ثم قررت أن لا أخوض في الموضوع بعد ذلك، أولاً لأنني أؤمن أن الكتابة لن تفيد شيئا في مثل هذه الحالات وأيضا لأنني أعتقد أن ما أحمله من أفكار ورؤية حول هذه الأزمة، مساراتها ومآلاتها، ليست مقبولة لدى كثير من المتلقين، وقد تأكدت من ذلك من خلال ما وصلني من ردود فعل بلغت حد سب وشتم من جاء بي إلى هذه الحياة ورباني حتى بلغت ما أنا عليه. طبعا ليست تلك أول مرة تصلني ردود أفعال وضيعة من تلك الشاكلة، ولم أكن أستغرب أو أتقزز منها لأنني أعلم أن ما أكتبه قد يثيرها، وأعرف مستوى مصدرها، إلا أن استغرابي كان بسبب أن الذين قالوا عني ما قالوا كانوا أشخاصا لم أكن أتوقع منهم ذلك على قلتهم.

لكن الذي حصل قبل أيام اضطرني مرة أخرى لنكث عهدي والعودة مرة أخرى للخوض في أزمة غرداية وتداعياتها، وكان الدافع هذه المرة شخصيا حميميا، وعلى من لا يريد المتابعة أن يتوقف الآن وليعذرني لأنني أضعت بعض وقته في قراءة ما سبق من سطور.

شاهدت مثل غيري على مواقع التواصل الاجتماعي، مقطع فيديو صور مجموعة من الشبان (بعضهم ملثم وآخرون مكشوفو الوجه) يتحركون لمهاجمة سكان أحياء مجاورة. كان بإمكان اللقطة أن تمر مرور الكرام لأنها تشبه غيرها من لقطات الاعتداء المتكرر على الأحياء الآمنة وترويع أهاليها وحرق ممتلكاتهم، لكنها جاءت هذه المرة مستفزة، وليس لأنها تصور عناصر من قوات الأمن بالزي الرسمي واقفين متفرجين وحامين للمعتدين، فهذه اللقطة شاهدناها أيضا في عشرات المقاطع المصورة في أماكن عدة وفي بعضها لا يكتفي رجال الشرطة والدرك بالوقوف متفرجين بل كانوا يشاركون سواء في الاعتداءات أو مستفزين للمزابيين بإشارات تنم عن درجة متقدمة من الحقد والغل والتشفي. لو قلت إن اللقطة التي استفزتني كانت أحداثها تجري فوق أرض ووري فيها موتى المزابيين، لرد علي بعضهم إنه ليس أولَ اعتداء يُقترف ضد مقابر أهل المدينة، وهذا صحيح فعلاً، فقد هُدمت مواقع كثيرة وكُشف عن قبور عديدة في أكثر من مقبرة مزابية. وهي فعلا أعمال مقززة ومثيرة للغضب.

لكن الذي حز في نفسي هذه المرة هو مشاهدتي مجموعة من الرعاع الهمجيين يدوسون على القبور ويكسرون شواهدها ويرفسون كالدواب شواهدها ويستعملون حجارتها لرمي سكان الحي المجاور. وكان من الصدفة أن هذه المقبرة، وهي مقبرة الشيخ بابا السعد، قد زرتها ومشيت فيها قبل ثماني سنوات أنا وإخوتي وكثير من أفراد عائلتي وأبناء بلدتي، وكنا وقتها نشيع والدي العزيز إلى مثواه ما قبل الأخير. رأيت المقبرة التي يرقد فيها أبي ورأيت أولئك الرعاع وهم يعيثون فوق القبور وفي أرجاء المقبرة فسادا، فكانت لقطات كافية لتسقط علي غشاوة من الحزن، فبكيت من أجل والدي ومن أجل الموتى الذين يداسون بأقدام همجية وظلوا عاجزين عن الدفاع عن أنفسهم وهم الذين كانوا أسودا عندما كانوا على قيد الحياة.

تذكرت حينها والدي عليه رحمة الله الواسعة الذي توفاه الله على فراش المرض وكنت بعيدا عنه، هذا الوالد الذي علمنا كيف يعيش الإنسان صادقا صدوقا كريما مؤمنا ورعا، هذا الوالد الذي لم يكن يهتم كثيرا لحصولنا على المراتب الأولى في الدراسة وكان كل همه معنا هو أن يعرف أين وصلنا في تعلم القرآن وحفظه وكيف نواظب على عمارة المسجد والبذل في طاعة الله والعمل لآخرتنا. أسأل الله أن يتقبل منه جهده وجهاده فينا وأن يجمعنا به في جنات الخلد على سرر متقابلين.

تذكرت والدي وهو يأخذنا، منذ كنا صغارا، إلى نفس تلك المقبرة صباح أول كل يوم من أيام عيد الفطر وعيد الأضحى وفي بعض الجمعات، كنا نتوجه تلقائيا إلى قبرين معلومين نقف عليهما ونقرأ القرآن وندعو الله ثم نتوجه إلى المسجد للصلاة. وبعد أن كبرت علمت منه أن القبر الأول هو قبر والدته، أي جدتي التي توفاها الله قبل أن أولد، والآخر لزوجة عمي التي كان يقال لنا إنها كانت امرأة صالحة عليها رحمة الله. وبعد ذلك التحق بالمقبرة عمي وعمتي، وكان والدي آخر المقيمين في هذا المأوى مثلما كان آخر حبة في عنقود عائلته الصغيرة.

تذكرت أيضا كيف كنا نحمل معنا، في الطريق لزيارة المقبرة، خبزا وتمرا وسميدا وربما بعض ملابس العيد. كان ذلك في أواخر الستينات وخلال سبعينات القرن الماضي، وكنا عندما نكمل قراءة الفاتحة وبعض سور القرآن على قبور موتانا نجد على حواف المقبرة بنات وصبيانا مصطفين ينتظرون أخذ حقهم من صدقات العيد، وكانوا ينصرفون فرحين إلى بيوتهم مع خروج آخر زوار المقبرة. وإذا سألتم من يكون هؤلاء الأولاد، أقول لكم إنهم سكان الأحياء المجاورة للمقبرة، وقد صاروا الآن رجالا ونساء أحياء وأمواتا، وبعض من هؤلاء أنجب هؤلاء الهمجيين الذين تقطعت بهم كل سبل الحياء فصاروا يرفسون ويدوسون على قبور آبائنا وأهالينا، ولا يجدون من يردعهم لا من آبائهم وأمهاتهم ولا من مؤسسات الدولة التي فرض عليها الدستور توفير الحماية لكل المواطنين أحيائهم وأمواتهم.


المقال نشر يوم 21-07-2014

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق