ارشيف القدس العربي

دعاة مقاطعة الانتخابات الجزائرية.. مجرمون أم مكبوتون؟

يتعرض دعاة مقاطعة الانتخابات الرئاسية الجزائرية منذ أيام إلى حملة سياسية وإعلامية مكثفة وصلت إلى حد تصنيفهم في خانة (الخونة) الذين يؤذون بلدهم بتلقيهم أوامر من جهات أجنبية لا تريد، بطبيعة الحال، الخير لا للبلد ولا لأهله. ومع أن الدعوات إلى مقاطعة الانتخابات ليست إلا في بداياتها ولا تقف وراءها شخصيات سياسية أو أحزاب كثيرة، إلا أن ردود الفعل عليها كانت قوية بدأت من الوزير الأول وهي تجد صداها في كثير من كتابات المصطفين وراء مرشح النظام الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة.

أحمد أويحيى الوزير الأول والأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي قال إن دعاة مقاطعة الانتخابات الرئاسية المقررة يوم 9 أبريل المقبل اقتنعوا أن حظوظهم ضئيلة جدا في مقارعة المرشح الرئيس وبدل اعترافهم بفشلهم في حشد الناخبين وراءهم فضلوا المقاطعة ودعوا إليها. من جهته قال عبد العزيز بلخادم وزير الدولة والأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني إن دعاة المقاطعة يريدون ديمقراطية على مقاسهم، أي أنهم يريدون أن ينسحب بوتفليقة من السباق لتخلو لهم الساحة، وأضاف هو الآخر أن الخوف من الفشل هو الذي يدفع هؤلاء إلى تبني خيار المقاطعة، لأن المرشح عبد العزيز بوتفليقة يخوض المنافسة وفي رصيده منجزات عهدتين ومن خلفه أحزاب التحالف الرئاسي وما تمثله في الساحة الوطنية ومجموعة من التنظيمات المهنية والجمعوية.

وهناك من يحاول التقليل من شأن خيار المقاطعة والداعين إليه على اعتبار أن ذلك صدر عن أطراف تمثل رقعة جغرافية محددة في الجزائر، هي منطقة القبائل التي يتمركز فيها حزبا جبهة القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية اللذان أعلنا عن مقاطعتهما لانتخابات 9 أبريل 2009. وتلتقي كل التصريحات والكتابات المنتقدة لخيار مقاطعة الانتخابات ودعاته عند استهجان هذا الخيار واعتبار الداعين إليه أشخاصا لا يفقهون لا في السياسة ولا في الأصول الوطنية وهم في النهاية يتقاطعون مع أعداء الوطن وخصومه.

أغلب هؤلاء، الذين لا يريدون من دعاة مقاطعة الانتخابات أن يشوشوا عليهم خططهم ويفشلوا عرسهم، من المصطفين وراء الرئيس المرشح عبد العزيز بوتفليقة، وهم يعلمون جيدا أن بوتفليقة هو الرئيس وسيبقى رئيسا ما دام حيا أو ما دام أهل الحل والعقد عنه راضون، فهم من هذه الناحية مطمئنون ولا شيء ولا أحد يزعجهم. أما قلقهم وحرصهم على الاهتمام بخطر المقاطعة فيعود إلى أن الجزائر اكتوت في انتخابات 17 مايو 2007 البرلمانية حيث سجلت أقل نسبة مشاركة منذ استقلال الجزائر باعتراف الحكومة نفسها هذه المرة، ولم تتجاوز نسبة المشاركة 30% وفق أكثر التقديرات إيجابية. ولم يمنع كل هذا الحكومة من الاعتراف بتلك الانتخابات والفائزون فيها يتمتعون الآن بكل حقوقهم كأعضاء في الجهاز التشريعي للبلد ولا يظهر عليهم أي حرج لأنهم يمثلون أنفسهم وبعض المحيطين بهم فقط. لذلك فإن المفروض أن لا يخاف المصطفون وراء بوتفليقة من أن تكون نسبة المشاركة ضئيلة أو أن يفوز دعاة المقاطعة لأنه حتى لو حصل الرئيس المرشح على الأغلبية من أصل نسبة مشاركة تقل عن 10% فإن ذلك لن يفسد للود قضية وسيعلن بوتفليقة نفسه رئيسا لكل الجزائريين. ألم ينسحب كل منافسي بوتفليقة في انتخابات 1999 في آخر لحظة، ومع ذلك أصبح المرشح الوحيد رئيسا وآمن بذلك هو ومن معه؟

المصطفون وراء بوتفليقة يعارضون بشدة فكرة مقاطعة الانتخابات وينكرون على الداعين حقهم في اللجوء إلى هذا الخيار مع أنه حق يكفله لهم الدستور السياسي في دولة شعارها الجمهورية الديمقراطية الشعبية. دعاة المقاطعة يتحدثون عن (اللعب المغلق) ومعارضوهم يقسمون بأغلظ الأيمان أن اللعبة مفتوحة والكلمة الأولى والأخيرة تعود للشعب، ثم يدعون المقاطعين إلى ترك ذلك والتوجه إلى الشعب وخوض المنافسة الشريفة للحصول على تأييد الشعب إن كانوا فعلا يؤمنون بالعمل السياسي الديمقراطي كما يزعمون. أعترف أنني في بعض الأحيان تراودني الشكوك في أن أويحيى وبلخادم وسلطاني والمصطفون معهم صادقون في كلامهم ويؤمنون فعلا بما ينطقون، أي أنهم يصدّقون أن هناك احتمالا بنسبة واحد في المائة أن يتمكن أي مرشح مهما كان من انتزاع كرسي الرئاسة من بوتفليقة وأن الانتخابات ستكون حرة ونزيهة ونظيفة وستعكس إرادة الشعب الجزائري. لذلك تراهم يغضبون عندما يقول لهم أحدهم إن بوتفليقة هو مرشح النظام وإن نتائج الانتخابات محسومة سلفا في دوائر السلطة المغلقة وإن توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع ليس إلا إجراء شكليا لا أكثر ولا أقل. لكن دعونا نفترض حسن النية ونصدّق أن هؤلاء لا يفرقون بين ما هو كائن وما يجب أن يكون، أي بين الأمر الواقع الذي تفرضه أصول العمل السياسي في الجزائر منذ الاستقلال وبين ما تنص عليه القوانين والدستور. ولهؤلاء إن كانوا يصدّقون ما يقولون نتوجه ببعض التساؤلات والملاحظات الساذجة والبسيطة، وإذا أجابونا عليها فسنكون معهم لاعنين للمقاطعة والمقاطعين والمشككين في نزاهة العمل السياسي في الجزائر.

ولنبدأ من الآخر، كما يقولون. توجه الرئيس المرشح أول أمس الاثنين إلى مقر المجلس الدستوري وسلم رئيس المجلس طلب الترشح للانتخابات الرئاسية، تماما كما فعل المتقدمون العشرة الآخرون، وقد تقدم كل المرشحين للمنافسة بعد خروجهم من المجلس الدستوري أمام الصحافيين المحتشدين هناك وأدلوا بتصريحات متفاوتة، تحدثوا فيها عن أهم أفكارهم، إلا واحدا هو المرشح الرئيس بوتفليقة. لماذا رفض بوتفليقة الحديث إلى الصحافيين والوقوف أمامهم وفضل السير بسرعة نحو المرسيدس السوداء؟ هل هذا تصرف يدل على أن بوتفليقة مرشح كباقي المرشحين وأنه يسعى لتلميع صورته أمام وسائل الإعلام والرأي العام لعله يحصل على تأييد الشعب له، أم أنه يتصرف من موقعه كرئيس سابق ولاحق أو لنقل إنه مقتنع أنه سوبر مرشح؟

لماذا تميز الرئيس بوتفليقة طيلة الأشهر السابقة بغيابه عن الظهور في الميدان، حتى ظن به الناس الظنون، وعندما اقترب موعد الانتخابات الرئاسية قرر تنظيم زيارات ميدانية إلى الولايات وتوزيع المكرمات على المواطنين؟ إنه يخرج كرئيس يتفقد المشاريع التنموية ولكنه يفعل ذلك في وقت يظهر فيه خلطا متعمدا بين النشاط الرئاسي والحملة الانتخابية التي لم تبدأ بعد. لماذا يبرمج التلفزيون الحكومي الوحيد في الجزائر حصصا عن إنجازات الرئيس بوتفليقة منذ فترته الأولى قبل عشرة أعوام ويعرضها قبل أيام قليلة من الحملة الانتخابية ولا يفسح أي مجال لرأي مخالف أو معارض أو منتقد لهذه الإنجازات؟ لماذا لا تفكر أحزاب التآلف أو التحالف أو التعالف الرئاسي، كما يطلق عليها، أبدا في تقديم مرشح عنها للانتخابات الرئاسية مع أنها تقول إنها أحزاب كبيرة ولها قاعدة شعبية كبيرة، وتكتفي في كل مرة بتأييد مرشح النظام؟ لماذا نجد نفس الجمعيات والتنظيمات المهنية والنقابية والأهلية تقف وراء مرشح واحد والكثير منها يحشر نفسه في لعبة هي أصلا ليست من اختصاصه؟ كيف تتفق هذه الأحزاب والتنظيمات في كل مرة وتقف على قلب رجل واحد وراء رجل واحد مع أنها لا تنتمي إلى نفس المدرسة السياسية والإيديولوجية، هذا إذا سلمنا جدلا أن كل هؤلاء القوم ينتمون فعلا إلى مدارس سياسية وإيديولوجية وليسوا خريجي مدرسة الانتهازية والوصولية؟ أحزاب وتنظيمات تتبادل الشتائم والسب بينها ثم نجدها بقدرة قادر مصطفة في صف واحد وراء رجل واحد. هل يملك أحد تفسيرا آخر لهذا غير ما يفكر فيه الناس؟ هل بعد كل هذا وغيره علينا أن نصدق أن اللعبة مفتوحة وأن حظوظ الجميع متساوية للفوز بمنصب الرئاسة وأن الرئيس القادم هو الذي اختاره الشعب اختيارا حرا في انتخابات نزيهة وشفافة ونظيفة؟ عندما تنظم منافسات سباحة مثلا ونرى متسابقا واحدا في المسبح وباقي المتنافسين في كثبان الرمال، هل نشك لحظة واحدة أن الفائز في مسابقة السباحة سيكون شخصا آخر غير الموجود في المسبح؟ عندما تضع متلاكمين فوق الحلبة وتربط أحدهما بالقيود والأغلال، هل تتصور لحظة واحدة أن المقيد بالسلاسل والحبال سيفوز على الآخر بالضربة القاضية ولو كانت كل القاعة تشجع وتهتف للمربوط؟ خذ شخصا عاقلا سويا وادعه إلى الغداء وقدم له طبقا فيه بصل وطبقا آخر فيه تفاح مثلا، ماذا تنتظر منه أن يختار؟ وعندما يختار التفاح سنقول للناس إنه كان حرا في اختياره وإن البصل لا يعرف كيف يسوّق نفسه. هلا جربنا يوما أن نقدم لهذا الشخص طبقا كاملا من مختلف أنواع الفواكه وننظر أيختار التفاح أم الموز أم الكيوي أم الفراولة. هي كلها فواكه وسيكون الاختيار في هذه الحالة على قواعد سليمة ومعقولة. هناك أناس يحبون الفاكهة، وعندما يرفضون أكل التفاح لأنهم لا يطيقونه نقول لهم أنتم الذين ظلمتم أنفسكم وظلمتكم بلدكم.

لقطتان أعجبتاني بثهما التلفزيون الجزائري هذا الأسبوع، وأردت أن أوثقهما حتى يستمتع بهما من فاته العرضان. الأولى لفخامة الرئيس بوتفليقة بمناسبة افتتاحه بالعاصمة الجزائرية معرضا عن إنجازاته خلال فترتي حكمه في مجال التشغيل، وقد كان الافتتاح مبرمجا ليوم الأحد إلا أنه تأجل إلى يوم الاثنين لأن الرئيس لم يكن جاهزا يومها، وقد حظي فخامته قبل دخوله المعرض باستقبال مميز على وصف التلفزيون. وقفت متلهفا لأرى هذا الاستقبال المميز، ولم يبخل علينا التلفزيون مشكورا بعرض هذا الاستقبال المميز علينا، ورأينا مجموعة فتيات جميلات متألقات، كما يحب فخامته أن يرى، ينشدن وفخامته واقف أمامهن في قمة السعادة. سمعنا كلاما أحلى من الشعر وأرق من النثر الجميل، أكيد أنها كانت أنشودة طويلة، لكن كل ما سمعناه هو ما يلي (والكلام موجه بطبيعة الحال إلى صاحب الفخامة): ابن الجزائر.. مجاهد ثائر.. كالنسر طائر.. كالنسر طائر.. وافرحتاه.. وافرحتاه.. وافرحتاه.. الرئيس العزيز.. قدره عال.. عبد العزيز.. قدره عال.. عبد العزيز.. ومرحبا.. ومرحبا.. ومرحبا! نعم هذا كلام يقال في جزائر 2009 أمام رئيس جمهورية ديمقراطية شعبية، واللهم لا اعتراض!

اللقطة الثانية كانت للمرشح عن حركة الإصلاح الوطني جهيد يونسي وهو يخرج من مقر المجلس الدستوري بعد أن سلم أوراق اعتماده مرشحا لسباق الانتخابات الرئاسية. خرج يونسي وقدماه لا تكادان تلمسان الأرض من شدة الفرح، وقد أبى إلا أن يكون أول تعليقه هو ما أحس به وهو يسلم طلب الترشح إلى رئيس المجلس الدستوري. فقد أعرب المرشح عن سعادته الكبيرة بهذا الاستقبال وقال (لقد استُقبلنا استقبال من يمكن أن يكون رئيسا للجمهورية)، هل دخول المجلس ومقابلة رئيسه عمل لا يفعله إلا من يمكن أن يكون رئيسا للجمهورية؟ أم أن الكاميرات وآلات التصوير والبساط الأحمر بهرت جهيد يونسي فصدّق لحظة أنه يمكن أن يكون يوما رئيسا للجمهورية في انتخابات حرة ونزيهة، وقد شدد على هذا عندما قال إنه يرفض أن يتسلم الحكم إلا من الشعب وبتفويض منه وحده. خوفي عليك يا سيدي أن يطول انتظارك، لأن تفويض الشعب ليس في جدول أعمال الجزائر لا اليوم ولا غدا.


المقال نشر يوم 25-02-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق