ارشيف القدس العربي

فرنسا والجزائر.. لا حق يعلو فوق صوت المصلحة!

تحتجز السلطات القضائية الفرنسية منذ أزيد من شهر دبلوماسيا جزائريا تشتبه بتورطه في قضية اغتيال المعارض الجزائري المحامي علي مسيلي في باريس عام 1987، وينتظر أن يصدر القضاء الفرنسي يوم 14 أكتوبر القادم قرارا باتهام الدبلوماسي ومحاكمته أو إخلاء سبيله.

وبقدر ما استمر اغتيال مسيلي لغزا صعبا طيلة 21 سنة، بقدر ما أحدث توقيف الدبلوماسي الجزائري محمد زيان حساني في مطار مرسيليا يوم 14 أغسطس الماضي ارتباكا وحيرة في الأوساط الرسمية والسياسية والإعلامية الجزائرية. وفي الوقت الذي آثرت الحكومة الجزائرية الصمت في قضية توقيف مدير إدارة المراسم والتشريفات بوزارة الخارجية الجزائرية بادرت صحف محلية إلى انتقاد السلطات القضائية الفرنسية على إهانتها للدبلوماسي حساني، حيث شدّد تقرير لصحيفة “النهار الجديد” على أن السلطات الفرنسية عاملت حساني معاملة مشينة إلى حد تجريده من ملابسه، وكانت الصحيفة أول من نبه إلى أن القضاء الفرنسي أخطأ في اعتقال حساني وأن هناك تشابها في الاسم بينه وبين شخص آخر يحمل نفس الاسم تقريبا يكون هو الذي يقف وراء اغتيال المعارض السياسي مسيلي. ثم دخل أحد زملاء الدبلوماسي الخاضع للرقابة القضائية على الخط ليؤكد أن حساني الموقوف ليس هو المطلوب من طرف القضاء الفرنسي لتورطه في الاغتيال، فاسم الموقوف يحمل ألفا زائدة وهناك فارق في السن يصل عشر سنوات بين حساني الموقوف وحسني المطلوب من طرف العدالة الفرنسية وفروق أخرى قد تصل إلى سبعة.

ولم تحرك السلطات الجزائرية لسانها حول اعتقال واحد من كبار موظفيها إلا بعد مرور 10 أيام على الحادثة وكان ردها أن ما فعلته السلطات الفرنسية في حق محمد زيان حساني “يحمل إهانة للدولة الجزائرية”، وقد أخطرت الجزائر السلطات الفرنسية بهذه الإهانة، وهي تتابع التطورات عن كثب من خلال خلية أزمة شكلتها في حينه.

طبعاً، لم يلق توقيف الدبلوماسي حساني استنكارا واعتراضا فقط، بل كان هناك بالمقابل من ابتهج لاعتقاله على غرار زعيم حزب جبهة القوى الاشتراكية حسين آيت أحمد الذي ظل طوال السنوات الماضية اللسان الذاكر والمستنكر لاغتيال صديقه علي مسيلي واتهم المخابرات الجزائرية بالضلوع في تصفية رفيق دربه في المعارضة عن طريق تجنيد شخص جزائري آخر رمى المحامي بالرصاص أمام مدخل منزله الباريسي في 7 أبريل 1987. وقد أعرب الزعيم التاريخي آيت أحمد عن خوفه من أن تتوصل السلطات الجزائرية مع الفرنسيين إلى صفقة يتم بوجبها إطلاق سراح حساني أو تسليمه للسلطات الجزائرية مثلما فعلت قبل سنوات مع القاتل المفترض الذي اعتقلته على التراب الفرنسي ثم سارعت مصالح وزير الداخلية الفرنسي الأسبق شارل باسكوا إلى السماح بنقله إلى الجزائر، وتضيع بذلك فرصة أخرى لإلقاء الضوء على هذه “الجريمة السياسية”.

وقد جاءت التصريحات المتتالية لعقيد المخابرات الجزائرية المنشق محمد سمراوي لتزيد في توريط الدبلوماسي الموقوف، حيث أكد سمراوي أن حساني المعتقل هو نفسه الذي سمع منه ورآه يسلم منفذ عملية الاغتيال مبلغ 800 ألف فرنك فرنسي كمقدم أتعاب. وأضاف سمراوي أنه مستعد لمواجهة زميله السابق أمام المحكمة والشهادة على أنه ضالع في جريمة الاغتيال.

من حق السلطات الجزائرية، بل من واجبها أن تبذل ما في وسعها من أجل استرجاع مواطنها، خاصة إذا كان دبلوماسيا ومسؤولا كبيراً. لكن هل من حق عائلة ورفاق المحامي المغتال أن يطمعوا في تدخل ذات السلطات الجزائرية لتكشف لهم خيوط الجريمة ومن يقف وراءها وتقدمه للمحاكمة؟ خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما نقلته إحدى الصحف الجزائرية على لسان واحد من أبرز السياسيين والزعماء التاريخيين الجزائريين عبد الحميد مهري الذي قال إنه كان وقت الاغتيال سفيرا للجزائر في باريس وقد فنّد حينها أن تكون الحكومة الجزائرية وراء النهاية المأساوية للمعارض علي مسيلي.

بما أن معلومات الطرف الجزائري الرسمي وشبه الرسمي تؤكد أن حساني الموقوف في فرنسا ليس هو حسني المتورط في اغتيال المحامي المعارض مسيلي، فإن الأليق في هذه الحالة أن تسارع السلطات الجزائرية إلى البحث عن شبيه الدبلوماسي وإحضاره مثلا أمام التلفزيون ليؤكد هو بنفسه أنه هو الذي دفع المال لقاتل مسيلي وأن حساني المسكين الموقوف في فرنسا ضحية مؤامرة ومغالطات، وهنا لن يبقى أمام القضاء الفرنسي إلا المسارعة إلى الإفراج عن حساني مع الاعتذار. طبعاً لن تقدر فرنسا على اشتراط مقايضة المتهم خطأ بالمتهم الحقيقي، أولا لأن المتورط جزائري ولا يمكن وفق الأعراف الدولية أن تسلم دولة أحد مواطنيها إلى دولة أخرى لمحاكمته، ثانيا لأن فرنسا سبق لها أن سلمت القاتل نفسه للسلطات الجزائرية ولم تطلب يوما تقريرا عن مصيره. فخيوط الجريمة، في هذه الحالة، موزعة بين أطراف جزائرية وفرنسا من أشد البلدان حرصاً على احترام سيادة الدول، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالجزائر الحبيبة والصديقة الأزلية؟

أمام الجزائر إذن حل يساعدها على الحصول على إفراج سريع عن الدبلوماسي الموقوف، وهو أن تعرض أمام الملأ حسني الحقيقي المتورط في الاغتيال وتطلب من فرنسا إطلاق المتهم خطأ، وبعدها لا يهم إن هي أطلقت سراح الأول أو حتى دفعت له تعويضا على ظهوره للعلن. فلم نسمع أن القاتل حوكم أو خضع لتحقيق، لذا فلا خوف على الذي تابع معه العملية وسلمه الثمن من أية مفاجأة سيئة.

هناك من اهتدى إلى اكتشاف من شأنه أن يرفع الحرج عن السلطات الجزائرية حتى لا تلام على تقاعسها في متابعة ملف اغتيال علي مسيلي طيلة السنوات الماضية، ورأى أن مسيلي ليس، أو لم يعد جزائريا، لأنه كان يحمل الجنسية الفرنسية وكان متزوجا من فرنسية وأكثر من ذلك فقد غير اسمه من علي إلى أندريه. لعل هذا يكفي لجعل السلطات الجزائرية تركز على إنجاح مهمة الإفراج عن الدبلوماسي ورفع المتابعة عنه دون الاهتمام بأمر المحامي المغتال. لكن هل سيؤدي هذا إلى تذكير فرنسا أن مسيلي كان واحدا من مواطنيها ولا بد لها أن تعثر على قاتله وتحاكمه، أم أنها ستغمض عينيها مثلما لم تهتم بكون الجريمة ارتُكبت على ترابها؟

أرجح السيناريوهات هو أن تنتهي قضية توقيف الدبلوماسي بطريقة تشبه تلك التي تم بها “تهريب” وزير الدفاع الجزائري الجنرال خالد نزار من باريس قبل عدة أعوام، عندما تضافرت جهود السلطات الفرنسية والجزائرية من أجل منع القضاء الفرنسي من اعتقال نزار وتقديمه للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على خلفية دعوى قضائية رفعتها عائلة فرانكو-جزائرية ضد الجنرال. وقد سوي الملف بعد ذلك بصورة نهائية وعاد الجنرال بعد فترة توقف قصيرة إلى التردد على باريس كما يحلو له.

فرنسا والجزائر “حبايب” وبينهما روابط مصلحية وطيدة، ولا يمكن يوما لعاقل أن يتخيل حدوث أزمة دبلوماسية بينهما، ولو كان بين هذا وذاك مصانع الحداد. العلاقات بين البلدين أمتن والمصالح أكبر من أن تشوش عليها حكاية مثل حكاية اغتيال مسيلي. طبعا لا ننكر على فرنسا حقها في التباهي بأنها مهد حقوق الإنسان والحرية، لكن علينا أيضا أن لا نحرمها من حقها في ليّ هذه المبادئ الإنسانية الأساسية وفق ما تمليه المصلحة العليا للبلد.

وهنا نذكر فقط كم دمعا ذرفت فرنسا على لبنان وكم تهديدا أطلقت ضد سوريا التي تنغص على حليفها حياته وكم كان قرار ساركوزي وقف التعامل السياسي مع دمشق صارما، وبعد أشهر قليلة كانت الكاميرات تنقل صور مصافحات وزيارات وزارية ورئاسية بين باريس ودمشق وبدأ الحديث عن نشأة محور جديد قوامه فرنسا وسوريا. وقبل أيام سمعنا ساركوزي يفتح نافذة أمام الرئيس السوداني لتجميد مذكرة ملاحقته أمام المحكمة الجنائية الدولية ويضع لذلك أربعة شروط، ومن محاسن الصدف أن هذا الانفتاح الفرنسي تقاطع بسرعة مع مبادرة عربية للجم مدعي المحكمة الدولية لويس مورينو أوكامبو. ولا أحد سيسأل بعد ذلك إن كان ضحايا حرب دارفور يستحقون إعادة اعتبار.


المقال نشر يوم 30-09-2008

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق