ارشيف القدس العربي

ما رأي الشعب الجزائري في ما يجري؟

صفّر الحكم الجزائري إيذانا بانطلاق سباق اللحس وهز الأذيال بمناسبة الانتخابات الرئاسية المرتقبة بعد أقل من خمسة أشهر، ومن يريد الاستمتاع بعروض هذا السباق المذهل عليه أن يفتح على تلفزيون بلد المليون ونصف المليون شهيد، بلد العزة والكرامة، وأنا أضمن له أن لا يصاب بالملل ولا بالخبل. منذ الإعلان عن مرور التعديل الدستوري في اجتماع البرلمان والزفة قائمة في التلفزيون الحكومي. الأحزاب والجمعيات والمنظمات والمعلقون والجامعيون، كل يدلي بدلوه في بركة هذا التعديل وفي الرهانات الإستراتيجية الكبرى التي حملها معه التعديل الدستوري الذي حرر الرئيس من عقدة منعه من الترشح لأكثر من فترتين. طبعا مناضلو التلفزيون بحثوا في كل شبر من أرض الجزائر عن واحد يعلن أنه ضد التعديل الدستوري أو ضد ترشح فخامة الرئيس لفترة ثالثة فلم يجدوا، وقريبا سنرى قطعان الخرفان والغنم والخيل والحمير والبغال والحمام تصطف أمام مبنى التلفزيون تطالب بحقها في التعبير عن فرحتها وسعادتها بالتحولات الكبرى التي عرفها البلد وتدعو الحكومة لتمكينها من حقها في التصويت على مرشح العزة والكرامة، وكل الأمل في البرلمان الجزائري أن يصوت على قانون يلغي التمييز العنصري ويسمح للجميع بالمشاركة في الانتخابات التاريخية والحاسمة التي تترقبها الجزائر على أحر من الجمر.

الأحزاب التي أقنعت نفسها بأنها أكبر الأحزاب في البلد ألغت من قواميسها ومن قوانينها الأساسية مصطلح مرشح الحزب، وحل محله مصطلح “مرشح الإجماع”، ومعناه لمن لا يعرف علم السياسة الجزائري مرشح السلطة أو مرشح النظام الحاكم. حزب جبهة التحرير الوطني أعلن أنه الأحق بترشيح فخامة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لفترة قادمة لا يعرف مداها إلا الله وتحجج لذلك بأنه أول من دعا إلى تعديل الدستور وبأن بوتفليقة هو رئيس الحزب الشرفي، ثم تلاه حزب التجمع الوطني الديمقراطي الذي صرح المتحدث باسمه أمام الملأ أن بقاء فخامته في القصر الرئاسي بات حتمية وطنية وتاريخية ليستكمل برنامجه الذي أسهم في إخراج الجزائر من النفق المظلم إلى النور الذي يعمّها تحت ظل رعايته السامية. وبما أن ثالث الثلاثة مجبول على وضع رجل في النار ورجل في الماء فقد أعلن تأهبه للمبايعة لكن تمسكه بأصول العمل السياسي اقتضى منه أن يطلب من فخامته أولا أن يترشح ليعلن حزبنا تزكيته ودعمه. وقد وصلت الجرأة السياسية برئيس هذا الحزب المتمسك بالمبادئ الإسلامية إلى توجيه تحذير لمن يهمه الأمر يقول فيه إن حركة مجتمع السلم (وهو اسم الحزب) لن تدعم مرشحا متحزبا، وهذا التحذير الذي أطلقه الشيخ الفاضل أبوجرة سلطاني كفيل بأن يجعل فخامة الرئيس بوتفليقة يحسب ألف حساب قبل أن يعلن ترشحه باسم حزب جبهة التحرير الوطني كما طلب منه عبد العزيز بلخادم الأمين العام للحزب، وعلينا أن نستبشر خيرا لأن بلخادم لم يتوعد بدوره بعدم مساندة مرشح آخر لا يتقدم باسم الحزب.

أما المنظمات الجماهيرية وجمعيات المجتمع المدني والتنظيمات العمالية التي تزخر بها البلاد فإن اسما واحدا يتردد على لسانها وهي مجندة منذ نشأتها للتطبيل والتقرب من حضن السلطة وضرعها الحلوب. كل ما يهم قيادات هذه الكائنات السياسية وشبه السياسية هو أن تضمن لها السلطة ضرعا تقتات منه وتشبع بطونها وبطون ذرياتها، وهي مستعدة مقابل ذلك أن تبصق على أي شخص اليوم وتهرول للحس وجهه غدا إذا طلب منها المتحكمون في رقابهم ذلك.

وغالبية الجزائريين في كل هذا؟ التلفزيون ولواحقه سيقولون إن الشعب كله على قلب رجل واحد وراء فخامته والكائنات التي تملأ نشرات الأخبار ضجيجا إنما هي تنطق باسم الشعب. لكن، هل هذا هو الواقع حقا؟ هل غالبية الشباب الجزائري مهتمون لأمر الانتخابات الرئاسية وتعديل الدستور وترشيح فخامة الرئيس لفترة خالدة؟ هل الجزائريون راضون بما يقرره لهم أصحاب القرار في كل مرة؟ هل الجزائريون (من غير الرضع طبعا) مقتنعون أن ما يخطط لهم وما يقرر باسمهم هو عين الصواب وفيه مصلحة لهم ولأولادهم ووطنهم؟ الذي يتابع السكوت المستمر للشعب لا يملك إلا أن يردد المثل القائل إن السكوت علامة الرضا. لكن الرأي الآخر يؤكد أن الشعب كره من العبث السياسي الذي يتعرض له منذ استقلال البلد قبل 46 سنة، وهو الآن في حالة يأس لا يملك معها إلا التسليم لما هو خاضع له. هل سكوت الشعب على الاغتصاب الذي يتعرض له دوريا دليل خوف من السلطة وقمعها أم هو صمت يائس من الوضع ولم يعد يهمه إلا الانشغال بقوت يومه وسلامة رأسه (اللي فيه يكفيه!)؟

المعارضة والمحللون الرافضون للوضع القائم لا يجدون غير أضعف الإيمان لتغيير ما يرونه، وهم يسلّمون بأن الأمور محسومة ولا يرون إلا ما يرى أصحاب القرار. هم يقررون إن كان الدستور سيُعدّل وهم الذين يقررون من يكون الرئيس ومن يكون الوزير الأول ومن يترشح ضمن أرانب السباق ومن لا يترشح، وهم الذين يضعون الإستراتيجيات (أعرف أنها كلمة كبيرة) اللائقة بالبلد ومستقبله، وهم الذين يقررون من يمثل الشعب في المجلس البلدي ومن يكون ممثله في البرلمان ومن يكون مواطنا صالحا ومن هو المغضوب عليه، هم يسألون كل واحد عما يفعل وماذا يفكر وهم لا يُسألون، بل حتى إذا سُئلوا لا يكترثون.

أهل الحكم لم يعد يهمهم أن يرضى الشعب بهم أو يغضب، هم ماضون في تنفيذ مخططاتهم ومن يرى غير ذلك فليذهب إلى أقرب بحر أو بئر مهجورة ويشرب من مائها. الجماعة منشغلون بصفقاتهم وبتوزيع السلطات على بعضهم البعض، أما الشعب السيد وصاحب القرار الأول والأخير فالدستور يضمن له ذلك الحق مكتوبا إلى أن تقوم الساعة ولا أحد ينازعه فيه نظريا.

الرئيس يقول إنه أخذ البلد خلال سنوات حكمه العشر في طريق لا يوصل إلى الجنة وأحزاب التحالف والتنظيمات الزاحفة الأخرى تقول إن مستقبل البلد في هذا الرئيس وحده ولا أحد غيره ثم تطالبه بمواصلة المشوار واستكمال المسار الذي بدأه لإخراج البلد من النفق المظلم الذي دخله منذ عقود. المجاهدة الجزائرية وإحدى أساطير حرب التحرير الجزائرية جميلة بوحيرد تحدثت قبل يومين إلى بعض الصحافيين الشباب وقالت لهم “لقد أدينا واجبنا، وجاء اليوم دوركم لاستلام المشعل وتقديم أفضل ما عندكم، كل في موضع مسؤوليته”. أتخيل رفقاءها من جيل الثورة المحنطين في الحكم يضحكون وهم يسمعون مثل هذا الكلام، بل حتى الشباب سيضحك أو لعله سيبكي لأنه لم يعد يصدق أن له مكانا في هذا البلد يحفظ له كرامته ويحسسه بأية مسؤولية في حمل المشعل أو التفكير وتدبير مستقبله بنفسه. الطبقة السياسية التي تحكم الجزائر هي في الغالب نفسها الجاثمة على صدور الجزائريين منذ استقلال البلد سنة 1962. نفس الأشخاص يحكمون الآباء والأبناء والأحفاد وبقليل من طول العمر سيحكمون أحفاد الأحفاد. ولا أحد يدري ما هي هذه المهمة الشاقة التي كُتب عليهم أن يستكملوها كل هذه الأعوام، ولم يكملوها بعد؟

بعد موجات الانتحار والتشرد وانتشار السرقة وركوب أمواج البحر المتوسط بحثا عن متنفس، طالعتنا صحيفة الخبر يوم الأحد الماضي عن قصة شابين جزائريين اعتقلتهما الشرطة المصرية أمام سفارة إسرائيل في القاهرة وقد كانا يهمان بمقابلة مسؤولي السفارة بحثا عن عمل في إسرائيل وكانا مستعدين لتقديم شهادة بأنهما من أصول يهودية عريقة وهما الآن يريدان العودة إلى أرض الميعاد. أحدهما أكد للصحيفة أنه لن يبقى في الجزائر بعد أن أعيد إليها، بل سيعيد الكرّة من جديد.

هذه هي واحدة من مكرمات أو كرامات بلد العزة والكرامة في انتظار استكمال المسار مع الفترة الرئاسية القادمة.


المقال نشر يوم 25-11-2008

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق