ارشيف القدس العربي

متى تعتذر فرنسا من الجزائريين؟

الحديث عن العلاقات الجزائرية الفرنسية صار يشبه بكاء الرضيع، مرة يكون لتلبية حاجة طبيعية ومرة لحاجة نفسية ومرات يكون بدون سبب أو فقط ليقول الولد إنه يريد من المحيطين به أن يهتموا به. وهنا أذكر قصة والدة كان زوجها يطلب منها النهوض في أوقات تريد فيها أن تستسلم للنوم، فكانت عندما يُطلب منها النهوض تنزغ رضيعها فيصيح باكيا وتكون حينها مضطرة للبقاء إلى جانبه بحجة إرضاعه وتنام بينما يضطر زوجها للانصراف في انتظار مناسبة أخرى.

الجزائر تقيم علاقات حميمة ودافئة مع فرنسا منذ أن قطع البلدان الحبل السري الاستعماري بينهما. العلاقات الرسمية كانت الأمتن، لكن العلاقات الشعبية لم تكن أسوأ رغم (البكاء) الذي يطفو على السطح بين الفينة والأخرى بسبب ما صار يعرف بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر. جرائم فظيعة ارتكبها المستعمر ضد مختلف فئات الشعب الجزائري على امتداد قرن وثلاثين سنة، الفترة التي بقيت فيها فرنسا تحتل الجزائر رسميا، وأقول رسميا لأن كثيرين يقولون إن الجزائر لا تزال إلى اليوم مستعمرة فرنسية تحت أغطية مختلفة. وكانت مناسبة مناقشة قانون فرنسي يمجد الحقبة الاستعمارية ويقر أنها كانت إيجابية للشعوب المستعمرة فرصة لتصعيد الجزائريين (رسميا وشعبيا) لهجتهم ضد فرنسا وبرلمانها ووصل الأمر إلى حد إطلاق تهديدات بإعادة النظر في العلاقات المتميزة بين البلدين إذا لم تتراجع فرنسا عن مبادرتها الاستفزازية. لكن سرعان ما هدأت الزوبعة وأقر القانون وبقيت العلاقات بين البلدين سمنا على عسل.

هذه المرة استغل الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مناسبة مظاهرات 8 مايو 1945، حيث قتل فيها الفرنسيون آلاف الجزائريين، لإطلاق موجة الغضب الموسمية ضد فرنسا، وسارع علماء التفسير إلى اعتبار كلام بوتفليقة غضبة ورسالة شديدة اللهجة إلى الرئيس ساركوزي وبلاده، وتحدث آخرون عن تراجع الرئيس بوتفليقة عن قراره زيارة باريس هذا الصيف، والحق أنه لم يصدر لا عن قصر الإليزيه ولا عن الرئاسة الجزائرية ما يفيد أن هناك زيارة مقررة لبوتفليقة هذا الصيف، بل كل ما في الأمر أن وزير الخارجية الجزائرية صرح عقب زيارة له إلى باريس قبل أشهر أن بوتفليقة قبل مبدئيا دعوة من صديقه ساركوزي لزيارة فرنسا.

ومما ورد في رسالة بوتفليقة بمناسبة ذكرى أحداث 8 مايو 1945 دعوته إلى إيجاد “صيغة متفردة” لتجاوز ما سببه الاستعمار الفرنسي للشعب الجزائري من أضرار وخيمة، وتحدث أيضا عن “علاقات مبتكرة من الصداقة الخالصة” بين الجزائر وفرنسا وشعبيهما. وجدد بوتفليقة الانتقاد الذي رافق صدور قانون تمجيد الاستعمار في فرنسا قبل أربع سنوات، وتحدث عن “صدمات وكدمات” خلفتها الحقبة الاستعمارية وهي لا تزال “تؤثر غالبا في أفكارنا ومعاملاتنا من حيث نشعر ومن حيث لا نشعر”، لكن ذلك ليس مبررا، حسب بوتفليقة، “لتحميل الشعب الفرنسي برمّته وزر المآسي والمعاناة التي سلطها علينا الاستعمار الفرنسي”. لا أدري إن كان في مثل هذا الكلام تحذير أو نبرة شديدة اللهجة ضد فرنسا وقيادتها، ولعل أحسن دليل على هذا هو أن الفرنسيين لم يصدروا أي رد فعل رسمي أو غير رسمي على رسالة بوتفليقة، التي تبدو أنها كانت موجهة لدغدغة الجزائريين وعلماء التفسير أكثر مما كانت موجهة إلى الخارج.

في الجزائر شرائح معتبرة ترفض الحديث عن علاقات طبيعية بين الجزائر وفرنسا قبل صدور اعتذار فرنسي رسمي عن جرائم الاستعمار، لكن بروز مثل هذا المطلب أو الشرط لم يمنع أبدا قيام علاقات متميزة بين البلدين، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. كما أن هناك من يرى أنه من غير الممكن أن يوقّع البلدان معاهدة صداقة بينهما، على غرار تلك الموقعة بين فرنسا وألمانيا، ما لم يحصل الجزائريون على الاعتذار الفرنسي. لكن غاب عن هؤلاء أن يسألوا أنفسهم هل ارتقت الجزائر إلى مستوى الندية مع فرنسا مثلما هو حال ألمانيا، أم أن الجزائر لا تزال تتشبث بتلابيب فرنسا وتسعى لنيل رضاها وتنظر إليها من أسفل الدرج؟

ليس مستبعدا أن تعتذر فرنسا عن جرائمها الاستعمارية في الجزائر يوما ما، لكن الأكيد أن ذلك لن يحصل قبل أن ترى باريس أمامها دولة قوية بكل ما تعنيه الكلمة من معان. لا أحد يعلم متى ترتقي الجزائر إلى هذه الدرجة، لكن الأكيد أن ذلك لن يحصل الآن ولا حتى في ظل نظام الحكم السائد منذ الاستقلال لأنه أولا نظام فاسد وهو أيضا نظام مغشى بمظلة فرنسا التي لا تفارق عينها كل صغيرة وكبيرة تجري في الضفة المقابلة. قد يكون هذا كلاما ثقيلا، لكنه الأقرب إلى الواقع، ففرنسا مهما قيل عنها تبقى دولة في مصاف الأقوياء وكبار العالم، ولا يمكنها أن تعامل أي بلد معاملة ندية وهي ترى نظام هذا البلد في واد وشعبه في واد آخر. بلد نظامه لا يحترم شعبه ولا يعبأ به وشعب لا يرجو خيرا من حكامه، هل يستحق احترام الآخرين؟ بل لعل المرء لا يخطئ عندما يقول إن فرنسا ستعتذر من الجزائر على جرائمها الاستعمارية عندما ترى أمامها جزائر مستقلة فعلا ومتحكمة في مصيرها. والجميع يعلم أن شخصيات جزائرية كبرى وشرائح واسعة من الجزائريين لا تزال تؤمن يقينا أن فرنسا لا تزال تدير خيوط الحكم في الجزائر من خلال ما اصطلح عليه بـ”حزب فرنسا” أو الطابور الخامس أو دفعة لاكوست. بعد 47 سنة من الاستقلال الرسمي، لا يزال الجزائريون يطالبون بقطع أذرع الأخطبوط الفرنسي من مفاصل الحكم والإدارة في الجزائر، ولا يزال الجزائريون يستجدون رئيسهم أن يتحدث إليهم وإلى العالم الخارجي باللغة العربية بدلا عن الفرنسية، ولا يزال الجزائريون يستغربون كيف أن البيروقراطية الجزائرية لا تزال وفية للثقافة الفرنسية، ولا يزال الجزائريون لا يفهمون كيف أن قانونا صدر قبل حوالي 20 سنة يقضي بتعميم استعمال اللغة العربية في الجزائر المستقلة لا يزال مجمدا بقرار رسمي، ولا يزال الجزائريون يذكرون بمرارة كيف أن سلطات بلدهم قررت من تلقاء نفسها حذف مقطع كامل من النشيد الوطني الرسمي لأنه يخاطب فرنسا الاستعمارية بلغة قوية وبعيدة عن لغة العبد أمام سيده، وقد مرت عقود طويلة قبل أن يُرفع الحظر رسميا، العام الماضي، عن هذا المقطع المنبوذ من النشيد الرسمي.

صفحة العلاقات الجزائرية الفرنسية لم تكن أبدا بيضاء ناصعة، لكن ذلك لم يمنع العلاقات الاقتصادية بين البلدين أن تتطور على مر السنين من الحسن إلى الأحسن، ولم يمنع فرنسا أن تكون الأكثر حضورا في الجزائر من خلال شركاتها وسياساتها، كما أن ذلك لم يمنع أن تكون القنصليات الفرنسية في العاصمة وفي المدن الجزائرية الأخرى الأكثر ارتيادا من قبل الجزائريين، ويستوي في ذلك الشباب والشيوخ والمحسوبون على “حزب فرنسا” والوطنيون.

مطالبة فرنسا بالاعتذار للجزائريين من جرائمها الاستعمارية يجب أن لا تخفت مهما طال الزمن، وقد تكون فرنسا الآن مؤهلة وقادرة على المبادرة بذلك شريطة أن تجد أمامها نظاما في مستوى نظامها. إلا أن واقع الحال هو أن الطبقة السياسية في فرنسا قد غيّرت جلدها أو جددته، بينما لا تزال الحراشف الغليظة تغطي جلد الساسة ونظام الحكم في الجزائر. ساركوزي قال قبل سنوات إن الأبناء لا يمكنهم أن يعتذروا عن جرائم ارتكبها الآباء، لكن ذلك قد يكون ممكنا إذا كان الأبناء موجودين في هذا الطرف وذاك. الفرنسيون تخطوا العتبة، بينما الجزائريون لا يزالون يستيقظون وينامون على رؤساء وحكام وطبقة سياسية عمرها من عمر الجزائر المستقلة، الآباء والأبناء والأحفاد يتعاقبون على دورة الحياة في حين لا يزال حكام الجزائر هم أنفسهم، نفس الأسماء ونفس الوجوه لولا أنها تأثرت بعوامل التعرية الطبيعية.

من حق الجزائريين أن يحصلوا يوما ما على اعتذار فرنسي لما تعرّض له آباؤهم وأجدادهم على يد الآلة الاستعمارية الوحشية، لكن ألا يحق للجزائريين أن يحصلوا يوما ما على اعتذار آخر من حكامهم الذين عاثوا في البلد والشعب فسادا؟ قد يقول قائل إنه لا مجال هنا للمقارنة بين نظام استعماري أجنبي ونظام تسلطي محلي، لولا أن الجزائريين كانوا ضحية في كلتي الحالتين. والنتيجة هي أن الجزائريين تمكنوا في نهاية المطاف من رؤية الاستعمار الفرنسي يغادر البلد ويعلن ذلك رسميا، بينما أخفق الجزائريون الآن في أن يتحكموا في مصيرهم وفق اختيارهم الحر، وكان من “ثمار” ذلك أن صار الجزائريون هم الذين يتمنون مغادرة بلدهم إلى غير رجعة.


المقال نشر يوم: 13-05-2009

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق