ارشيف القدس العربي

متى تموت الرشوة السياسية في الجزائر؟

قررت الحكومة الجزائرية قبل شهرين فرض ضريبة على الجزائريين الذين يريدون شراء سيارات جديدة وقالت إن مداخيل هذه الضريبة الجديدة ستخصص لتعزيز النقل العمومي وتطويره. وكان من أولى نتائج هذا القرار تخلي كثير من الناس عن مشروع اقتناء سيارة جديدة لأنهم وجدوا أن دفع ضريبة تتراوح بين 20 و10% من سعر السيارة ليس أمرا سهلاً، ولم يبق أمامهم إلا أن يشتروا أو يبقوا على سياراتهم القديمة أو أن ينتظروا انطلاق صفارة ميترو الجزائر الذي افتتحت أشغاله قبل 26 سنة ولا يعلم إلا الله متى تنتهي.

ليست هذه المشكلة، فالجزائريون تعودوا قرارات استفزازية (خاصة في الفترات التي يتسلم فيها رجل اسمه أحمد أويحيى رئاسة الحكومة) وقد علمتهم تجربة عقود من الزمن أن يرضخوا لما كتبت لهم حكومتهم ويسلموا تسليما. لكن الطارئ في قضية الضريبة الجديدة على السيارات الجديدة هي أن الحكومة رأت بعد أقل من شهرين على بدء تطبيق هذا القرار أنها أجحفت في حق فئة من الشعب الجزائري عندما شملتها بهذه الضريبة فقررت في خطوة إنسانية كريمة أن تعفي فئة قدامى المحاربين من دفع هذه الضريبة. ولمن لا يفقه كثيرا في الشأن الجزائري أقول إن قدامى المحاربين أو المجاهدين كما يطلق عليهم في الجزائر هم أولئك الذين شاركوا في ثورة التحرير ضد الاستعمار الفرنسي. ولمن لا يذكر فإن الثورة الجزائرية المسلحة ضد المستعمر الفرنسي اندلعت سنة 1954 وخمدت باستقلال الجزائر سنة 1962.

نعم، 46 عاما مرت على استقلال البلد ولا يزال المجاهدون يحظون بامتيازات كانت بدايتها تمييزهم بتراخيص حصرية لفتح محلات تجارية واستغلال رخص سيارات الأجرة وأيضا تسيير محلات بيع الخمور، أي الحانات، واللهم لا حسد ولا اعتراض! المجاهدون بذلوا أنفسهم في سبيل استقلال البلد والمفروض أن كل ما يحصلون عليه لا يساوي شيئا مقابل تضحياتهم. وكثير منهم يسارعون عندما يشعرون بأي إحجاف في حقهم إلى التذكير بماضيهم وبطولاتهم، وقد بقيت فئة المجاهدين الطفل المدلل للسلطات المتعاقبة إذا لم نقل تجاوزا إنها كانت هي السلطة الفعلية. وقد كان من بين أسباب الإطاحة برئيس الحكومة الإصلاحي مولود حمروش تجرؤه على إلغاء وزارة المجاهدين ضمن واحدة من أهم الخطوات الإصلاحية التي أقرها إلى جانب إلغاء وزارة الإعلام. وبما أن الرجل كان هو الآخر مجاهدا وابن شهيد فقد ابتلعها القوم بغصة، لكنهم لم يغفروا له جرأته رغم أنه أسّس لهم بدل الوزارة تنظيما أطلق عليه اسم المنظمة الوطنية للمجاهدين وقال لهم إن هذا هو الإطار الذي يمكنكم أن تحافظوا فيه على حقوقكم الاجتماعية والمادية، أما الوزارة ففيها انزلاق نحو السياسة ومن أراد السياسة فليأتها من أبوابها وأوسع أبوابها كانت الأحزاب.

عندما أطيح بحمروش من رئاسة الحكومة وبعده بالرئيس الشاذلي بن جديد في ذروة التناطح بين الجيش والجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يتأخر القوم في بعث وزارة المجاهدين (ووزارة الإعلام أيضا) في أول حكومة شكلوها وصار للمجاهدين هيكلان الوزراة والمنظمة الوطنية وأكثر من ذلك فقد ورث رئيس المنظمة عرش رئاسة الدولة بعد تصفية محمد بوضياف. المجاهدون محظوظون وهم يستحقون ذلك لأنهم هم الذين حرروا البلاد ونصبوا أنفسهم أوصياء على البلاد وهم محقون لأنهم وحدهم الورثة الشرعيون لأولئك الذين قضوا نحبهم.

وقد وصل الأمر بهذا البلد أن أصبح الذين تخلفوا عن الجهاد لأسباب أو لأخرى أشبه بالأيتام ولا حق لهم على مائدة الكرام، وعوض سلوك طريق سوي لبناء دولة على أسس سوية تحول الناس إلى البحث عن أقصر الطرق للالتصاق بهذه الفئة المحظوظة من أبناء الشعب الجزائري وتفتقت الأذهان عن حيل وممارسات تصل حد الخزي. بدأت بتأسيس منظمة لأبناء الشهداء، ثم منظمة أخرى لأبناء الشهداء أيضا، ثم منظمة لأبناء المجاهدين. ولحسن الحظ أن توقفت الأمور عند هذا الحد لأن هناك من كان يفكر في تأسيس منظمة لأحفاد الشهداء وأخرى لأحفاد المجاهدين والذين لم يكونوا لا من هؤلاء ولا من هؤلاء راودتهم أنفسهم بتأسيس تنظيم لأصدقاء المجاهدين وأصدقاء أبناء الشهداء وأصدقاء أبناء المجاهدين والتابعين لهم إلى يوم الدين، كل شيء ممكن ما دامت هذه التنظيمات تسمح لأعضائها بالاستفادة حصريا من مزايا كثيرة. لست مجبرا على الدراسة أو العمل بجهد، بل يكفيك أن تكون عضوا في نادي الامتياز لتدرس إن شئت وتستفيد من المنح الدراسية أو تحصل على وظيفة محترمة أو على منصب سياسي أو تكتفي بإدارة أعمالك مع امتياز الإعفاء من الرسوم والضرائب ما دمت عضوا فعالا في النادي.

ونشأ من خلال هذه الممارسات الحلف المقدس بين نادي الامتياز والسلطة السياسية. هذه الأخيرة تغدق بالعطايا والهدايا والامتيازات والمستفيدون لا يبخلون بدعمهم اللامشروط حتى أصبح السياسيون لا يتورعون في اتخاذ ما شاءوا من القرارات مهما كانت بعيدة عن الشرعية ما داموا متأكدين أن هناك أفواها مستعدة للهتاف وأيادي جاهزة للتصفيق وأيضا بطونا لا تشبع. وكأن السلطة انتبهت إلى أن بطون الجماعة فعلا لا تشبع فاهتدت إلى تعليق عصا في أولها جزرة الامتيازات تجعل الملهوفين لا يتوقفون عن الدعم والتأييد طمعا في الوصول يوما إلى تلك الجزرة، والعارفون يعلمون أن الحكومة والبرلمان وافقا منذ سنوات عديدة على قانون جديد للمجاهد وابن الشهيد وابن المجاهد بالتبع، لكن الحكومات المتعاقبة ظلت تؤجل تطبيقه في كل مرة وتعد في كل مناسبة انتخابية بأنها ستطبقه قريبا، وقريبا ستحل علينا مناسبة تعديل الدستور لتمديد عهدة حكم فخامة الرئيس بوتفليقة لفترة ثالثة أو لتزكية مرشح آخر تختاره السلطة بعناية. ولكي يلقى المشروع كل الدعم والسند (الشعبي) لا بد أن تخرج السلطة جزرا جديدا ولعل أول الغيث هو إعفاء هذه الفئة المحظوظة من ضريبة السيارات الجديدة.

قد يقول قائل إن في كل بلاد العالم وزارات أو منظمات لقدامى المحاربين وهذا أقل جميل يمكن أن يُرد لأناس ضحوا ونذروا أنفسهم للدفاع عن أوطانهم، لا خلاف في هذا، لولا أن ما يحدث في الجزائر (وربما في بلاد متخلفة أخرى) تعدى حدود المعقول. قوانين الحياة البشرية والطبيعة تقول إن عدد المجاهدين لا بد أن يتناقص مع مرور السنين أو يستقر في أحسن الأحوال، إلا أن المعجزة الجزائرية جعلت عدد المجاهدين يتزايد سنة بعد أخرى. استقلت الجزائر ووضعت حرب التحرير أوزارها منذ 46 سنة لكن عدد مجاهدي الثورة يزداد ويزداد حتى أننا رأينا وسمعنا عن أناس يحملون بطاقات العضوية في نادي المجاهدين وأعمارهم عند اندلاع الثورة لم تكن محسوبة بعد. لنفرض أن شخصا انخرط في صفوف الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي مع اندلاع الشرارة الأولى لثورة التحرير المظفرة وعمره 15 سنة، كم يكون عمره الآن؟ (15+7 سنوات عمر الثورة + 46 عمر استقلال الجزائر)، المجموع يساوي 68 سنة، لكن المعجزة تضع أمامنا مجاهدين في الخمسينات من العمر وربما أقل.

كل هذا لم يكن ليثير غضب أحد لو أن السلطة استمرت في إطعام تلك الأفواه الشاغرة وأطعمت أفواه باقي الجزائريين الذين لم يجدوا لهم مكانا داخل نادي الامتياز أو رفضوا الانضمام إليه. لكن الذي حصل ويحصل هو أنك لن تستفيد من كل الامتيازات إلا ببطاقة العضوية في النادي، وحتى يبقى الريع معتبرا لا بد من غلق الدائرة وحصرها على ما يكفي لتمديد عمر النظام ومنحه الحد الأدنى من الشرعية. وإلا لماذا مثلا تفرض الحكومة ضريبة على كل الناس ثم تتراجع وتعفي منها فئة بعينها؟ هل الجزائر في حاجة فعلا إلى أموال لدعم وتطوير قطاع النقل العمومي حتى تلجأ إلى فرض هذه الضريبة؟ بل هل هناك فعلا نية صادقة عند الحكومة لتطوير قطاع النقل العمومي؟ الخزينة العمومية تطفح بأكثر من 150 مليار دولار أميركي تنعم بها البنوك الأميركية والأجنبية الأخرى وتجرؤ الحكومة على حرمان كثير من الناس من تحقيق حلمهم في اقتناء سيارة جديدة، لأنهم عجزوا عن جمع مبلغ إضافي يعادل مبلغ الضريبة الحكومية الجديدة. الحكومة تشتكي كثرة حوادث السيارات وتعترف أن من أسباب هذه الحوادث قدم حظيرة السيارات وبدلا من تشجيع الناس على التخلي عن السيارات القديمة وتبديلها بسيارات جديدة تساهم في الحد من المصائب التي تسجل في الطرق كل يوم وتساهم أيضا في تحقيق العزة والكرامة التي وعدت الحكومة المواطن بها، ها هي هذه الأخيرة تمعن في إيذاء الناس بإبقائهم تحت خط الفقر أو قريبا منه وتحرمهم من الاستفادة من خير أنزله الله عليهم. كل هذا من أجل الترويج للرشوة السياسية وزرع روح الفرقة والتمييز بين أبناء الشعب الواحد.

فعلا، ليس هناك فرق بين الجزائر التي تزخر بالنفط والغاز وبين أي بلد فقير آخر يعاني ندرة في الغذاء ويموت أبناؤه جوعا ومرضا وفقرا وحرقة أيضا. لا أقول هذا انتقاصا أو حسدا ولا نقمة، بل أتساءل فقط إن لم تكن السلطة تبغي فعلا التخلص من شباب البلد وفتح ذراعيها فقط لشيوخها؟ للشيوخ وللمجاهدين مكانتهم، لكن يجب أن تكون للشباب منزلتهم أيضا ومكان غير السجون والإدمان والضياع والموت غرقا في البحار. فالمجاهدون لم يحاربوا والشهداء لم يموتوا من أجل أن يضيع شباب الجزائر ولا من أجل أن تضيع الجزائر ويصبح الناس يأسفون على رحيل الاستعمار، وهذا كلام يسمعه الجميع إلا من به صمم.


المقال نشر يوم 01-09-2008

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق