مقالات

محطات الحراك

أبدى عدد من “الحراكيين” الجزائريين امتعاضهم عندما شاهدوا وجوها كانت ترافقهم في مظاهرات الجمعة تنتقل إلى الضفة الأخرى مصطفة مع الحكومة إما ضمن تشكيلتها الرئيسية أو في صفوفها الخلفية. الممتعضون يرون أن الحكومة القائمة غير شرعية والقبول بالعمل معها في أي مستوى إنما هو غدر وخيانة للحراك وللقضية التي يناضلون من أجلها منذ عام على الأقل.

فعلا، كثير مما جرى في هذا الشأن يثير الاستغراب وشيئا من الاشمئزاز إذا اكتفينا بالنظر إلى المسألة سطحيا. فأن ترى مثلا شخصا مثل عبد العزيز جراد يقبل تكليفه بقيادة مجلس الحكومة، وهو الذي كان يؤكد أنه لا حل إلا بانتخاب رئيس غير متنازع على شرعيته ولو أدى ذلك إلى وضع الدستور جانبا وتأجيل الانتخابات حتى تتوفر شروطها، لا يمكنك إلا أن تصدر رد فعل يتراوح بين التعجب والغضب. ولك أن تتعجب أو تغضب أكثر عندما ترى نفس الشخص الذي قال يوم إن “التركيبة البشرية للبرلمان الحالي لا يمكن قبولها إطلاقا” وهو يتوجه إلى هؤلاء البشر غير المقبولين يعرض عليهم برنامجه ويطلب منهم قبوله ومنحه تأشيرة الانطلاق في العمل، وهي تأشيرة لا قيمة لها، في كل الأحوال، لأنها صادرة عن أشخاص لا وزن ولا قيمة سياسية لهم لكن لكل شيء رمزيته والناس يمكن أن يوزنوا أيضا بميزان التفاهة لأنهم لا يستحقون تقييما وفق الأصول وبالمعايير المتعارف عليها.

طبعا، جراد ليس وحده، ولكن سأكتفي بمثال آخر فقط هو فرحات آيت علي الذي كان الناس يطربون له وهو يلعن النظام الحاكم لينتهي بقفزة مكتملة الأركان وزيرا للصناعة في حكومة متنازع على شرعيتها. أنا هنا لا ألوم “الوزير المحترم” ولا حتى جراد، وسأقدم في الفقرتين التاليتين ما يساعد الممتعضين والناقمين والحانقين على تخطي أي شعور من هذا النوع. إنما فقط أتساءل إن كان فرحات آيت علي سينجح قريبا في إقناع رئيسه الحالي بضرورة الإفراج عن مشروع رئيسه السابق، إذ لا يخفى عليكم أن وزير الصناعة كان يوما مديرا للحملة الانتخابية للجنرال المحبوس علي غديري، أي أنه كان مشروع رئيس مجلس الحكومة قبل أن يكتفي بمنصب عضو في الحكومة بدرجة “محترم”.

الارتقاء إلى المناصب السياسية يبقى دوما طموحا مشروعا في أي دولة أو نظام سياسي، ولتحقيق ذلك يختار كل طامح أو طامع الوسيلة العملية المثلى التي توصله إلى مبتغاه. ودعونا نبق في الحالة الجزائرية للإشارة إلى أن هناك أنواعا عديدة من “الحيوانات السياسية”. فهناك الطامحون العاديون، وهناك الطامعون المتسلقون، وهناك أيضا الذين ينتظرون من يأتي إليهم ليكشف لهم “مواهبهم” ويدعوهم للركوب، كما أن هناك ضمن هذه الفئة أيضا “الراغبون المتمنعون”. فبدل أن نلوم الناس الذين نتوسم فيهم خيرا على قبولهم مناصب حكومية ونتهمهم بالخيانة، علينا أن نرى الأمر من زاوية أخرى من شأنها أن تساعدنا على الفهم، بدل التساؤل والاستغراب، وتريح نفوسنا من بأس اليأس والحسرة.

لنتصور الحراك قطارا ماضيا في اتجاهه الطبيعي وهو لن يتوقف إلا إذا وصل إلى محطته الأخيرة. قد نجده أحيانا مكتظا بالركاب أو خاويا تماما. وما يحدث خلال المسار هو أن أناسا يركبون وفي ذهن كل واحد اسم المحطة التي سينزل فيها، بعضهم يعتبرها المحطة النهائية ويستغرب لماذا لم ينزل معه كل الركاب، بينما هؤلاء يتساءلون لماذا نزل وتركهم. بعضهم يرى أن المسافة التي قطعها القطار صارت بعيدة فتجده يستعجل توقفه للنزول، في حين يستمر آخرون في الرحلة رغم مشاق السفر وهم متيقنون أن المحطة الأخيرة لم يصلها القطار بعد لكنها آتية لا ريب فيها. قطار الحراك ركبته جميع الأصناف، ركبه ڤايد صالح مثلا ثم نزل في أول محطة وكان يتمنى لو أن الجميع نزل معه. ركبه هذا وذاك من الذين تعرفونهم وكل واحد كان ينزل في المحطة التي حددها منذ صعوده بأنها محطته الأخيرة. سيركب أناس وينزل أناس والقطار سيبقى مواصلا الرحلة ولن يصل المحطة الأخيرة إلا طويل النفس والذي يعرف بالضبط ما هي آخر محطة. أما الذين نزلوا في المحطة الخطأ فسيجدون صعوبة كبيرة في اللحاق بالقطار وقد يكون مصيرهم كمصير الذي وصف به أخونا عبد القادر شخصا نزل في ثالث محطة، فقال له: “مبروك عليك، لقد دخلت إلى مزبلة التاريخ!”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق